-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عقول متجاورة.. تفكر في الاتجاه نفسه!

عقول متجاورة.. تفكر في الاتجاه نفسه!

في عالمنا العربي، لا شيء يضاهي حماسنا في تنظيم الندوات. نُتقن فنّ اختيار العناوين البراقة، ونُزيّن القاعات بالزهور والشعارات، ونُوزّع الدعوات كما تُوزّع بطاقات الدعوة لحفل زفاف. ثم نلتقي في الموعد المحدد، نُحيّي بعضنا بأناقة فكرية مصطنعة، مع قليل من الأسئلة الهامشية: ما شاء الله زينت، سمنت، ضعفت، زوجت ولدك.. ثم ننطلق في رحلة طويلة نحو لا شيء.
تبدأ الجلسة الأولى، فيتحدث المتدخل الأول بثقة الخبير، ويصفق الحضور بحرارة. ثم يليه الثاني، فيقول الكلام ذاته بعبارات أكثر طولا، وربما بلكنة مختلفة. الثالث يكرّر المعنى بوجه جديد، الرابع يعيد الترتيب، والخامس يوقّع الخاتمة بنفس المفاتيح الموسيقية. وهكذا تنتهي الندوة وقد قال الجميع الشيء نفسه، واختلفوا فقط في طريقة نطق الجملة.
في مثل هذه اللحظات، يحق لنا أن نتساءل: إذا كنا متفقين إلى هذا الحد، فلماذا كل هذا العناء؟ لماذا نسافر، ونطبع الملصقات، ونتبادل الكلمات الرنانة، ما دمنا جميعا نحمل الفكرة نفسها؟
الحقيقة أن هذه الظاهرة ليست حكرا على الندوات، بل تمتد كظلّ ثقيل إلى كل فضاءاتنا الجماعية، من الأحزاب السياسية إلى الجمعيات المدنية، مرورا ببعض الجماعات والتنظيمات الإسلامية التي تُقدّم نفسها باعتبارها حاملة لواء “التجديد”، بينما تعيش في عمقها خوفا وجوديا من أي صوت يسأل: لماذا، كيف، أين، ومتى؟
هناك دائما “إجماع مقدس” لا يجوز المساس به، وكأنّ التفكير المختلف نوع من الكفر الفكري. في هذه الفضاءات، من يطرح سؤالا يُعامل كما لو أنه ارتكب جرما ما، ومن يشكّك في المسلّمات يُدرج في قائمة “المغضوب عليهم فكريا”. وكأننا لم نقرأ أبدا ما قاله جون ستيوارت ميل حين حذّر من المجتمعات التي تتفق أكثر مما تفكر، لأن الإجماع المريح هو أول علامات الركود.
أما فوكو فكان سيبتسم لو حضر إحدى هذه الندوات، لأنه سيرى بأم عينه كيف تعمل السلطة داخل الكلمات: كيف تُدار النقاشات لا لتفتح الأفق، وإنما لتعيد ترتيب الطاعة في ثوب من المصطلحات اللامعة.
والمضحك أن الجميع مقتنع بأنه شارك في “حوار فكري عميق”. تُلتقط الصور، تُنشر البيانات، وتُختم الجلسة بتوصيات محفوظة: “ضرورة تعزيز ثقافة الحوار، والانفتاح على الآخر”. وبعد ذلك يعود الجميع إلى مواقعه، أكثر اقتناعا من أي وقت مضى بأن الحوار فكرة جميلة…شرط ألا تحدث فعلا !
إن ما ينقصنا ليس كثرة اللقاءات، وإنما شجاعة السؤال. نحن بحاجة إلى من يقول للحشد المتفق: “مهلا، ربما كنتم مخطئين”. إلى من يزعج الإجماع قليلا، إلى من يفتح النافذة ليدخل الهواء إلى قاعة الأفكار المغلقة.
إن الحوار المنتج هو الذي يربكنا، يترك فينا أثرا، يشغّل عقولنا، يدفعنا إلى مراجعات عميقة وليس ذلك الذي يعج بالحضور وتغشاها مظاهر التملق. وإذا خرجنا من الندوة مطمئنين كما دخلنا، فهذا يعني أننا لم نحاور، وإنما كررنا صلاة فكرية جماعية تُقام على نية الفكرة الوحيدة.
والسؤال سيظل قائما: هل نريد حقا أن نتحاور، أم أننا نبحث فقط عن مشهد أنيق يقول للعالم إننا “نفكر”؟ لأن التفكير، في واقع الأمر، لا يحدث في القاعات المكيّفة، وإنما في تلك اللحظة التي يجرؤ فيها أحدهم على قول ما لا يُقال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!