عقيدة الصدمة وفلسفة الامتصاص.. من المنتصر؟
في كتابها المهم “عقيدة الصدمة” تشير الكاتبة الكندية نعومي كلاين إلى عقيدة الصدمة التي تنهجها الامبريالية الأمريكية وأذرعها الاقتصادية والأمنية في العالم وتكشف بالوثائق والأدلة عن النيات المبيتة لما يجري في العالم من غزو وانقلابات ومجازر.. وضربت أمثلة عديدة تكشف بجلاء عقيدة مستبدة لدى أصحاب القرار والنخب الثقافية والاعلامية.. إنها عقيدة الصدمة التي تنهجها الادارة الأمريكية منذ مئات السنين في مواجهة خصومها وتجلت هذه العقيدة الارهابية في ألمانيا سابقا وفي العراق لاحقا.
لقد جرب فينا القادة الأمريكان استراتيجية الترهيب والصدمة على أبشع صورها ممثلا في حجم النيران ومساحة الحرب وأساليب القتال وتحويل الأرض كلها إلى جهنم وتدمير كل مقومات الحياة جملة واحدة وإفقاد المجموع أي إحساس بالأمن وإلقاء ما يكفي من القنابل لتوليد الذعر بين المجموع.
عندما دخل الأمريكان العراق ومعهم الأوربيون الغربيون كان واضحا لهم أن العملية تحتاج إلى إحداث صدمة تفكك القائم ليتم تشكيل القادم حسب الخطة الاستعمارية.. فكان الهجوم على العراق أكثر صور هذه العقيدة جلاء، فكان الضرب العنيف بالقنابل الذرية الصغيرة وباليورانيوم المنضد للفتك بالبشر والشجر، فلقد تم إطلاق أكثر من 380 صاروخ “توماهوك” في يوم واحد، كما قد رمى الجيش الأمريكي خلال 12 يوما 30 ألف قنبلة على العراق، بالإضافة إلى 20 ألف صاروخ كروز دقيقة التصويب أي ثلثي ناهو مصنع منها.. وتم تدمير شبكة الاتصالات تماما في بغداد وكذلك التلفزيونات ومحطات الارسال، كما فتحوا معتقلات تمارس فيها أبشع صور الفتك بالبشر، وأظهروا صورا صادمة لقاعات التحقيق، كما قاموا بحل مؤسسات البلد وعلى رأسها الجيش.. وكانت عمليات الاعتقال تضج بروح الترهيب واحداث الصدمة وهي نفسها ما قامت به القوات الصهيونية في عدوانها على غزة عدة مرات وعلى لبنان أكثر من مرة..عقيدة الصدمة تتحدى قوانين الحرب التي تمنع العقاب الجماعي فهي لا تستهدف القوات العسكرية فحسب، بل المجتمع بأسره، فالخوف الجماعي هو جزء أساسي من الاستراتيجية.
وجنبا إلى جنب، ولكي تؤدي الاستراتيجية غرضها كان البث على شاشات التلفزيون لتكون الرسالة الواضحة إلى العالم قد كتبت بلغة كرات النار والانفجارات المدوية والهزات المدمرة لمدن بأسرها، وكما قال رامسفيلد وتشيني إن الحافز الرئيسي لغزو العراق يتمثل في تكوين نموذج سلوكي توجيهي بالنسبة إلى أي شخص يجرؤ على امتلاك أسلحة مدمرة أو يحاول إضعاف سلطة الولايات المتحدة…إنه مخطط نفسي معقد موجه مباشرة إلى إرادة الخصم في المقاومة بتجريده من كل قدراته، وقد أخضع العراق لهذا الاختبار في التعذيب الجماعي لمدة شهور.
وضع الأمريكان أمامهم خطة محو العراق بصدمه وترهيبه برمته وتدمير بناه التحتية بشكل متعمد وعدم التصرف إزاء تقويض ثقافته وتاريخه ثم بعد ذلك محاولة ترقيع الأمور، لم تكن حلقة المحو الثقافي واستبداله في العراق نظرية على الاطلاق بل استراتيجية تطبق بحذافيرها.
هذه إشارة إلى عقيدة الصدمة التي مارسها العدو الفرنسي في الجزائر عندما قتل 45 ألفا من المواطنين في يوم واحد، وعندما ارتكب قبل ذلك مجازر رهيبة طالت قطاعات واسعة من الشعب الجزائري في القرى والأرياف ثم ما قامت به قواته في العدوان على المواطنين إبان الثورة التحريرية، وهي العقيدة التي تطورت مع الأمريكان الذين أصبحوا يبدون إعجابا قويا بنفاذيتها في صدم وإرهاب المجتمع جملة.. وكذلك الحال في العقيدة العسكرية الاسرائيلية.
ولكن الأمة واجهت هذه المحاولة البشعة التي كان المقصود منها إخراج الأمة من طموحها وثباتها والالقاء بها مزقا على قوارع الطرق.. وتحركت الثقافة الشعبية بما فيها من مآثر وإرث حضاري لتستعين به على مواجهة التحدي الخطير، فكان لابد من امتصاص الصدمة الرهيبة.. ومن العراق إلى لبنان ثم غزة استطاعت الأمة في مواقع مقاومتها أن تتطور في فلسفة امتصاص الصدمة، فلئن جاءت المقاومة العراقية بعد أيام قليلة من الاجتياح الأمريكي لبغداد، إلا أنها تمكنت من امتصاص الصدمة والانقلاب عليها وإفشال كل مراميها، وحققت انتصارها الرائع في ساحات المعارك، وامتلك المقاومون العراقيون زمام المبادرة، فشكلوا حربا استنزافية طويلة الأمد أرهقت القوات الأمريكية، وفي الوقت الذي كانت المقاومة اللبنانية تواجه ما تمطره الطائرات والبوارج والمدفعية الاسرائيلية على كل مكان في الجنوب، وكل موقع محتمل للمقاومة أبلى المقاومون اللبنانيون بلاء خارقا للعادة، وأفقدوا الصدمة قوة دفعها وشتتوا أهدافها وعادت إسرائيل خائبة من عدوانها.. أما في غزة حيث قلة الامكانيات والحصار المفروض كانت المقاومة على طيلة شهر ونصف الشهر تقريبا في حربها الثالثة تخرج من كل مكان ظنه العدو أصبح رمادا، فتفاجئه وتنقض عليه حتى عادت غزة تشكل حالة رعب وتوزان عنف مع العدو الصهيوني.
في أعقاب هذه الحروب العديدة بيننا وبينه اخترع لنا العدوّ حربا بأدوات وأساليب جديدة، حيث وفر المناخ التام لاحترابنا فيما بيننا وحرك من أجل ذلك أصدقاءه وحلفاءه.. وهانحن ندخل فتنة القتل والقتل المضاد نراوح في دائرة من الفوضى “الخلاقة” واقتتال تحت رايات إسلامية عديدة.
لقد أفشل المقاومون العرب في المقاومات الثلاث في مطلع هذا القرن مفعول الصدمة والإرهاب وأسقطوا نظرية “كيّ الوعي وكيّ الفعل” وأحدثوا نظرية جديدة “توازن الرعب” وهدف بهدف.. وكما أن العدو كسر حدود المعقول في الحرب ووسع دائرة إرهابه تحررت كذلك المقاومات العربية الثلاث من التقيد بساحات القتال المباشرة، وجعلت خطوط ما بعد الاشتباك ساحة مفتوحة لصواريخها، فدكت مطار بن غوريون والمستوطنات وتل ابيب والجليل ومواقع عسكرية واستراتيجية صهيونية في أكثر من مكان في العمق الصهيوني.
لقد أثبتت المقاومات الثلاث قدرتها على إحداث ضربة الايقاف الاستراتيجي لخطة الغرب الاستعماري واستراتيجيته وفرغت “الأكشن” الأمريكي من عنصر تفوقه، وألحقت المقاومة بالعدو الأمريكي والصهيوني خسائر معنوية ومادية فائقة.. وقد استقر في بال الأمريكان والغربيين أن هذه المقاومات تنبعث من بيئاتها انبعاثا تلقائيا وأن الشعوب حاضنة لهذه المقاومات.
لذا هاهو يعدل من خطته بعد أن تحقق له فشل ذريع في مواجهة الأمة بأسلوب الصدمة.. لقد اكتشف الغرب الامبريالي وعلى رأسه الادارة الأمريكية أنه ليس بامكانه أن يحسم حربا ضدنا وأن ما يناسبه ليس هو هذا الأسلوب.
لذا فهو في أعقاب هذه الحروب العديدة بيننا وبينه اخترع لنا حربا بأدوات وأساليب جديدة، حيث وفر المناخ التام لاحترابنا فيما بيننا وحرك من أجل ذلك أصدقاءه وحلفاءه.. وها نحن ندخل فتنة القتل والقتل المضاد نراوح في دائرة من الفوضى “الخلاقة” واقتتال تحت رايات إسلامية عديدة..
إذا كنا نملك فلسفة امتصاص الصدمة ونجحنا في ذلك أيما نجاح فإننا مدعوون لمواجهة الفتنة الحالية بروح مسؤولة وأن نبطل المكيدة، والأمر هنا يحتاج أن ترتفع أصوات المثقفين والاعلاميين والمفكرين وعلماء الدين بنبذ كل دواع الفساد في الأرض والشقاق والتنابز بالألقاب والعمل على توحيد الصف وتوجيه الاهتمام إلى قضية فلسطين وامتداداتها في واقعنا، وهذه الجبهة الجديدة لابد لها من فرسان.. تولانا الله برحمته.