-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

على بوابات الفلوجة تنتصر الوطنية العراقية

صالح عوض
  • 2161
  • 0
على بوابات الفلوجة تنتصر الوطنية العراقية

لا شعب كما هم العراقيون يقدّم النموذج الفذّ عن التوحّد في التنوّع والتكامل بين المختلف من المذاهب والأعراق، فحُق لهم أن يفتخروا بأنهم النموذج الإنساني الأرقى المتوازن، كما أنهم هم من علّم البشرية كتابة الحرف، وأسّس لتفاهم البشر فيما بينهم عندما بدأ عندهم فنّ الترجمة..

هكذا كانوا.. فترعرعت بين ظهرانيهم ثقافتُنا الاسلامية، بساتين تزدان بشتى أنواع الزهور المختلفة لتستخلص منها العقول النيّرة شرابا سائغا لذة للمستمتعين، وفيه شفاء من كل مرض سقيم.. وعلى ضفاف دجلة والفرات سجّل الانسان ملحمة التداخل الفذ بين الصوفية والتساؤلات الوجودية، وما بين ذلك من فلسفة ومنطق وفقه ورياضيات وموسيقى وشعر… فكان للعراق أن يكون عقل العرب والمسلمين بلا منازع..

ولم يكتف العراق بأن زوّد الإنسانية بنور الهداية والعلوم، فلقد تحمّل العراق كذلك مسؤوليته في الدفاع عن الرسالة والأمة، كما لم يتحملها أحد قديما وحديثا.. ولقد عايشنا كيف امتدّت سيوف العراق دفاعا عن فلسطين وبلاد الشام كلما دقت طبول الحرب، وكيف ترك العراقيون شواهد من دمهم على مفارق كل الحروب.. ولقد شهدنا كيف امتدت يد العراقيين إلى إخوانهم الجزائريين في ثورة التحرير ليقتسموا معهم موازنة العراق قدرا بقدر حتى تم الانتصار، يؤدونها في مواعيد لم تُخلف قط كما سجل المرحوم القائد الكبير توفيق المدني في مذكراته.. ولم يغب العراق قط عن أيّ معركة من معارك الأمة بكل معاني العطاء والفداء والاقتدار.

هل كان ضروريا أن نقدّم بهذا القول؟ نعم.. إنه ضروري لنستجمع الوعي ونعرف عما نتحدث.. إننا نتحدث عن بلد إذا سقط فإن المشرق العربي كله يسقط وأول ذلك بلاد الشام والجزيرة، وإذا نهض فإنه ينتشل الأمة من الغرق.. نتحدث عن بلد إن أصابته الفتنة فإن الأمة كلها تتشتّت.. وإن جمعته الحكمة وألفت بينه النباهة والمسؤولية فإن الأمة جميعا تدب فيها روح الانضباط.. إذن فنحن نتحدث عن مضغة جسد العرب والاسلام يجب أن يكون الكلام عنها بوعي وبدقة.

وعندما اجتاحت جيوش الأمريكان العراق ظن البعض أن العراق لقمة بحجم أفواههم الشرهة فغصت حلوقهم به وشق عليهم مضغها وصنعوا مشاهد كثيرة لتشويه العراق وبثوا فيه سمومهم، كيف لا وهم من امتطى دبابات العدو وكان دليله إلى مقاتل العراق.. ولكنهم ما صنعوا إلا كيد ساحر ولن يفلح الساحر حيث أتى.

نفخوا في كل نيران الفتن القومية والمذهبية والجهوية وإذا بالنار تلف العراق كله من شماله إلى جنوبه، ولم يعد العراق إلا مزقا على مسرح يديره العم سام بتلذذ المجرمين وتشفِّي الحاقدين.. شتتوه عربا وكردا، ثم شتتوا العرب سنة وشيعة، وداخل السنة شتتوه تطرفا وصحوات وسوى ذلك، وداخل الشيعة شتتوه بين من هو مع جلبي وقومه والعلاوى وحزبه ومن هو في مجموعات الثأر والانتقام وسوى ذلك.. ومن حين إلى آخر كان ضمير العراق يهتف بصوت الشعب: “احنا إخوان سنة وشيعة.. والوطن والله ما نبيعه” فيما كان المجرمون يزيدون نيران الفتنة اشتعالا.

ظن اللصوص من السياسيين الجدد أن إيقاظهم لروح الطائفية سيغطي جرائمهم في نهب العراق وسرقة خيراته، وأنهم بإذكائهم روح التفرقة الجاهلية سينالون ولاءات طائفية مجانية فيما هم لا مبدأ عندهم ولا مذهب لهم إلا الولاء للأجنبي ومعاداة البلد، فأنشأوا المناخ الملائم لتولد التطرف المضاد، وكان المحضن الطبيعي للعنف والقتل والجريمة، وكان هذا هو المسوغ الطبيعي للموقف الأمريكي بأن تعمّ حالة “الفوضى الخلاقة” وهو الضامن لاستمرار السيطرة الغربية على المنطقة في حال انسحاب أمريكا منها لتتفرغ لمعارك أكثر استراتيجية في مواقع أخرى.

على بوابات الفلوجة اكتشف الجميع أنه من غير المسموح أبدا أن ترتفع راياتٌ طائفية، بل من غير المسموح أبدا أن يغيب أحد مكوِّنات النسيج الاجتماعي الثقافي والمذهبي عن وضع تصوُّر للحل.. ورغم محاولات الأمريكان إحداث مجزرة في الفلوجة وإلقاء وزرها على عراقيين إمعانا في تشتيت الوطن والشعب.

قاموا بعمليات تطهير طائفي من مؤسسات الدولة، وشنعوا بمناطق بعينها، وروّجوا لإشاعات ولثقافة التفرقة، وانتشرت في ظل وجودهم محطاتٌ تلفزيونية تبثّ التفرقة والإساءة لتاريخ المسلمين، وغطوا على تكاثر مليشيات طائفية في ظل دولة ومؤسسات؛ دولة يُفترض أنها لا تقبل بتعددية السلطة.. ولم يسمحوا لسواهم من أبناء البلد بأن يكون لديهم أي مظهر من مظاهر القوة.. وفتحوا السجون بأبشع ما سجله التاريخ للرجال والنساء من الأنبار والفلوجة وسواهما، وقد فضحت كثير من الممارسات البشعة التي ارتكبت في المعتقلات التي كان المالكي ومن لحقه ومن سبقه يشرفون عليها.

كان المشهد يقول بوضوح إن العراق يسير إلى انشطار ونشوء ثلاثة أقاليم “دول”: الكردي والسني والشيعي.. وبالفعل أعلن الكونجرس أنه على استعداد لتقديم المساعدات العسكرية للإقليم السني الذي يمتد من شمال العراق إلى جنوبه ويشطر البلد إلى قسمين ويكون الأمريكان بهذا قد حققوا ضربتهم الاستراتيجية بالبدء في تقسيم المنطقة على أسس طائفية وقومية.. وانخرط كثيرٌ من الجهلة في المخطط بحسن نية أو سوئها.. ورفعوا شعاراتٍ هوجاء غير مناسبة للزمان والمكان ضد صلاح الدين وتكريت والأنبار، وكاد الأمر يستوي للمجرمين المفتِّتين لوحدة الشعب وروح الأمة لولا أن تدارك الله العراق في لحظة الاحتضار المتوقع..

على بوابات الفلوجة اكتشف الجميع أنه من غير المسموح أبدا أن ترتفع راياتٌ طائفية، بل من غير المسموح أبدا أن يغيب أحد مكوِّنات النسيج الاجتماعي الثقافي والمذهبي عن وضع تصوُّر للحل.. ورغم محاولات الأمريكان إحداث مجزرة في الفلوجة وإلقاء وزرها على عراقيين إمعانا في تشتيت الوطن والشعب.

على بوابات الفلوجة أصبح واضحا أن أمور العراق لا يمكن أن تستقر بدون العراقيين جميعا.. وأن تشارُك العراقيين جميعا في صيغة الحل هو الضامن الوحيد لسلامة الجميع واستقرار البلد.. وأن لا مكوِّن من مكوِّنات العراق سينعم بالاستقرار إن تصوَّر أن باستطاعته استثناء الآخرين إنما العراق بكل بنيه متداخلون كما كانوا.. وبالفعل في لحظة تاريخية فارقة إذا بأصوات العراقيين تعلو فوق الفتنة، فيسقط منطق الطائفية ويُظهِر العراقيون مجددا كما في أعقاب كل محنة نموذجهم الاستثنائي متوحدين متجاوزين نعرات التمزق بألوانها العديدة..

أبناء عشائر الفلوجة والأنبار جنبا إلى جنبِ أبناءِ البصرة والحلة وكربلاء في صياغة عراق واحد بأبنائه لينهوا فصلا رديئا من تاريخ العراق تغوّل فيه الطائفيون والمتطرفون العنيفون..

إن الأمر لن يتم بسهولة لأن المنتفعين من التمزق في العراق يجلسون في مجالس قيادية عليا ويتحكمون في مفاصل القوة ولديهم مليشيات ومحاضن جاهلة تنبت التطرف والانشقاق، وهم في ذلك كله يتلقون الدعم من الأجنبي المستعمِر.. ولكنه قدر العراقيين الذين يجيدون التعامل معه ويتقدّمون بحلول إبداعية إعجازية لا يستطيعها غيرُهم.

وهنا لابد من انتباه الاقليم إلى مسألة في غاية الأهمية.. فإن مصلحة الاقليم تكمن في عراق متجانس متداخل متعافي، ليس فقط لأن ذلك قوة حقيقية لمنعة الاقليم أمام الاختراق والعدوان، ولكن أيضا لأن تمزق العراق يمزق الاقليم كله ويُسقط الاقليم في حروب تدمّره.. تولانا الله برحمته وعافى العراق الحبيب من جراحه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!