علي فضيل.. وأيام “الشروق” الممطرة
سيذكر كل الجمع ممن ضم مجلسه، وحتى من لم يكن حاضراً، أنه يعرفه منذ زمن بعيد.. ربما يكون هناك في عالم سبق حياتنا، حيث تآلف الأرواح في الحاضر حالة من الجذب والتفاعل المبهم إلى ماضٍ بعيد مطبوع بروح الأزل.. ربما يرجع ذلك إلى مؤانسة مصحوبة بمتعة اللحظة، حيث الابتسامة لم تكن تفارقه، وحين يشتد عليه الغضب يطاوعه لحين، ثم يطوّعه، فيجعله ينزوي، يتقهقر، ثم يقبل في النهاية بحلول كرم النفس وعزمها، فيرحل مجبراً، وهو يعلم بأنه لا يمكن له أن يعمر داخل ذات رجل حليم، قادر على الاختيار حين تتعدد السبل وتتباين الآراء وتتناقض الأهداف، بجرأة القائد المحارب في أزمة الشدة وأوجاع المصير.. ذلك هو الراحل علي فضيل، الصحافي الذي مثل نقلة نوعية في الإعلام الجزائري الخاص، عملياً وإدارياً ومؤسسياً، حتى أصبح الأهم في الجزائر لمدة قاربت ثلاثة عقود.
رحل علي فضيل عن عالمنا تاركاً وراءه ميراثاً من التقاليد الإعلامية الراسخة، أهمها: تداخل الخاص بالعام، صحيح أن موقعه الإعلامي قد أعطاه شهرة ونجومية لم نعهدها في الجزائر، ولكنه بتوفيق من الله جعل للإعلام داخل الوطن حضوراً في بعده العربي، فكسر أغلالاً فرضت لمئات السنين بين مغرب الأمة ومشرقها، حتى غدا الأخير متابعاً ومقتنعاً بضرورة أن يتفاعل قراءة مع الأول، لذلك أرى رحيله، ثغرة في جدار أمة كثرت فيه الثقوب، ليس فقط لأنه كان عروبياً، وإنما لأنه عبّر بوعي عن انتمائه لأمة ممتدة ثقافياً في الحاضر، وجغرافياً في الماضي، وكان قلبه معلقاً بفلسطين، متجاوزاً مواقف الاختلاف بما في ذلك المحلية.
الحديث عن علي فضيل هاهنا، أكبر من الرثاء، لأنه امتحان للباقين بعهده من مدرسة “الشروق العربي” حيث بدايته المستقلة الأولى، تلك المدرسة التي سقاها بدمه، وحين نصحه الأطباء ـ بعد أن تدهورت حالته الصحية وصار يقيء دماً ـ بالتوقف من أجل سلامته، أصرَّ على الاستمرارية، قائلاً “تنجح أسبوعية الشروق العربي أو أهلك دونها”، وكان له ذلك، ونجح، وعلى أساسها يقوم اليوم مجمع الشرق للإعلام والنشر، وكان الرحيل نتيجة صدمات لم يعد القلب قادراً على تحملها، هي تراكمات من أيام الشروق العربي الممطرة زمن البحث عن قارئ واحد، وكانت أول قارئة امرأة.. يومها أدرك علي فضيل نجاح مشروعه، وصدق ظنّه وحدسه وتوقعه.