-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علي معاشي.. وحد الطبوع الجزائرية في 15 دقيقة

فاروق كداش
  • 2671
  • 0
علي معاشي.. وحد الطبوع الجزائرية في 15 دقيقة

شاعر ومطرب وعاشق للوطن، أغانيه بقيت راسخة في ذاكرة الجزائريين، رغم مرور أكثر من ستين سنة من رحيله، هو الذاكرة والفن الثائر، هو انتفاضة القلم وصوت المعاناة.. يا ناس أما هو علي معاشي.

ولد علي معاشي في 12 أوت عام 1927، في حي راس سوق في حوش معاشات بتيارت، توفي والده فقامت والدته برعايته وتربيته. مشواره في الفن، رغم قصره، كان حافلا.. فبعد إنهائه الخدمة العسكرية الإجبارية في بنزرت بتونس، عاد إلى مسقط رأسه. منذ الصغر، تأثر علي معاشي بالموسيقى الجزائرية، وكان مولعا بقصيدة مولات الحايك، فأسس سنة 1953 فرقة موسيقية، أطلق عليها اسم “سفير الطرب”، وحمل من خلالها رسالته الفنية في الجزائر، وحملته موهبته من معسكر إلى مصر وتونس.. وقد استغل عمله في البحرية لتحقيق هذه الجولات الموسيقية. بعدها، حصل على وظيفة كمهندس صوت في إذاعة الجزائر بالعاصمة، حيث التقى بالممثلة القديرة، فريدة صابونجي.

عند اندلاع الثورة التحريرية، عام 1954، لم يتردّد علي معاشي في دعمها بكلماته وألحانه وصوته، حتى بات بمثابة ذراع فنّي لها، قبل أن يلتحق بصفوفها عام 1957، وفق مصادر تاريخية، وتُسند إليه قيادة الثورة مهمّة نسخ النشيد الوطني، الذي كتبه الشاعر مفدي زكريا، استنادا إلى نسخته الأصلية، وتوزيعه على المواطنين.

الفنان المجاهد

كانت هذه الفترة من حياة الفنان غزيرة. فقد ألف ولحن وغنى الكثير من الأغاني، للمرأة والحب وللوطن والثورة، وكانت “يا بابور” أول أغانيه، وتوالت النجاحات بأغان مثل “تحت سماء الجزائر”، “طريق وهران”، “نجمة وهلال”. وقد اختار علي معاشي الطابع الوهراني بلمسة مشرقية لم تطمس روحه الجزائرية، دون أن ننسى رائعته “أنغام الجزائر”، التي اشتهرت أكثر بمطلعها “يا ناس أماهو حبي الأكبر”، التي أعادها الكثير من الفنانين، وقد تكون نسخة المطربة الراحلة نورة أكثر ما علق في ذهن الناس. ولكن هذه الأغنية لها قصة فن ورد اعتبار.

في بداية الخمسينيات، عرض فيلم “آخر كذبة”، للمخرج أحمد بدرخان، الذي كان من بطولة

الراحل فريد الأطرش والممثلة المصرية سامية جمال. وقد أدى فيها أغنية شهيرة كتبها الشاعر بيرم التونسي ولحنها الأطرش، أغنية من 14 دقيقة جابت كل الأقطار العربية، غير أنها أثارت استياء كبيرا في الجزائر، والسبب، تجاهل الفنان أو الشاعر لذكر الجزائر ضمن رحلته في بساط الريح، من وحي قصص “ألف ليلة وليلة”. لم يستسغ علي معاشي هذا النسيان المستفز، فألف أغنية من 15 دقيقة، سنة 1956، واستعمل فيها نفس التوليفة الموسيقية، لكنه جمع فيها، وبعبقرية لا مثيل لها، كل الطبوع الموسيقة الجزائرية.

مشنقة الكلمات

صار اسم علي معاشي بعدها أشهر من نار على علم، وراجت أغانيه الوطنية، وأثارت الحماس في القلوب، وانتبه الاستعمار الفرنسي إلى هذا الرواج وهذا التأثير المقلق على العقول، فبيت النية للتخلص منه.

في 8 جوان 1958، قامت فرنسا باختطافه عنوة رفقة اثنين من رفاقه، واقتادتهم إلى ساحة كارنو، المعروفة حاليا بساحة الشهداء، وقد تجمهر الناس، ليكونوا شهودا على استشهاد علي معاشي شنقا.. ولا عجب، أن تقوم فرنسا الظالمة بالتنكيل بجثته، فالثائر الجزائري يرعبها حيا أو ميتا.

وبدل أن تحقق فرنسا مأربها بإعدام علي معاشي، صار هذا اليوم ذكرى يترحم فيها الملايين على روحه، وصار يوما وطنيا للفنان، وحملت جائزة مرموقة للشباب المبدع اسمه، ولعل الجيل الذي سيبلي جيل التيك توك وأنستغرام سيحمل الرسالة ويصونها، ولكن، شتان بين فن علي معاشي وعمالقة الفن، وبين من يحسب نفسه فنانا لا يجيد إلا الردح على أنغام النشاز والسوقية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!