الرأي

علَم للثورة في‮ ‬انتفاضة الحجارة

حبيب راشدين
  • 2343
  • 0

الحدث الأبرز لم‮ ‬يكن أمس الجمعة ذلك اللقاء الرباعي‮ ‬الغريب،‮ ‬بين وزراء خارجية الولايات المتحدة،‮ ‬وروسيا،‮ ‬وتركيا،‮ ‬والسعودية،‮ ‬لاستكشاف مخارج للنزاع الدامي‮ ‬في‮ ‬سورية،‮ ‬بل كان الحدث في‮ ‬القدس الشريف،‮ ‬حيث حققت الانتفاضة الفلسطينية أوّل انتصار لها،‮ ‬بقيام أول صلاة جمعة في‮ ‬المسجد الأقصى مفتوحة لجميع الأعمار‮.‬

قد‮ ‬يرى بعضُهم في‮ ‬تراجع حكومة الكيان الصهيوني‮ ‬محض مناورة لتخفيف الضغط عنها،‮ ‬وامتصاص جزء من‮ ‬غضب الفلسطينيين،‮ ‬ومحاولة بائسة لتحييد ملف الحرم الشريف من المواجهة،‮ ‬وقد‮ ‬يكون استجابة لطلب أمريكي‮ ‬يريد أن‮ ‬يخادع شعوب المنطقة،‮ ‬ويليّن من موقف الدول العربية والإسلامية قبل اجتماع رباعية فيينا،‮ ‬كل ذلك وارد،‮ ‬لكنه ما كان ليحصل لولا الانتفاضة التي‮ ‬عرّت بالكامل هشاشة الكيان الصهيوني‮ ‬وهلع جنوده وقواته الأمنية وفلول المستوطنين أمام انتفاضة لا تشبه سابقتها‮.‬

في‮ ‬بحر ثلاثة أسابيع فقط،‮ ‬استطاعت الانتفاضة إعادة الجميع إلى المربّع الصفر قبل أن تُخدع القيادات الفلسطينية بمسار أوسلو الكارثي،‮ ‬وأعادت تأهيل القضية الفلسطينية كقضية تحرير صرفة من احتلال‮ ‬يمنع المجموعة الدولية من‮ ‬غلق حقبة الاستعمار،‮ ‬وقد أرادها الشباب الفلسطيني‮ ‬كذلك حين رفع العلم الجزائري،‮ ‬وكسى به جثامين شهداء الانتفاضة،‮ ‬في‮ ‬رسالةٍ‮ ‬واضحة موجّهة للنخب الفلسطينية أولا،‮ ‬ثم للكيان الصهيوني‮ ‬ثانيا،‮ ‬وأخيرا للمجموعة الدولية التي‮ ‬أوصدت أبواب مؤسساتها المختصة في‮ ‬ملفات تصفية الاستعمار أمام الشعب الفلسطيني‮.‬

الرسالة تحمل برنامج مقاومة بديل للمسارات التي‮ ‬تاه فيها النضال الفلسطيني‮ ‬لقرابة سبعة عقود،‮ ‬ولا‮ ‬يستثني‮ ‬أحدا،‮ ‬بالإشارة إلى ما ميّز ثورة التحرير الجزائرية منذ البداية،‮ ‬وكان له الفضل في‮ ‬نجاحها،‮ ‬حين اختارت النخبة التي‮ ‬فجّرت الثورة البدء بتوحيد القيادة،‮ ‬وفرضت على جميع الكيانات السياسية الانصهار داخل جبهة التحرير‮.‬

وعلى ما‮ ‬يبدو،‮ ‬فإن الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني‮ ‬مستعد للانخراط في‮ ‬ثورة تحرير شاملة بما تيسر من وسائل المواجهة،‮ ‬ولا‮ ‬يستثني‮ ‬وسيلة،‮ ‬وليست عمليات الدهس والطعن بالسكاكين سوى مقدمة لما‮ ‬يمتلكه الفلسطينيون من وسائل لتعديل الكفة حتى دون الحاجة إلى دعم من الأشقاء،‮ ‬غالبا ما وُظف لابتزاز المقاومة أو لتجييرها‮.‬

‭ ‬وهكذا بدأت ثورة التحرير بأعمال كان‮ ‬يسخر منها الصديقُ‮ ‬قبل العدو،‮ ‬قبل أن تبث الذعر في‮ ‬صفوف إدارة الاحتلال والمعمرين،‮ ‬كما بدأت الانتفاضة ترعب الصهاينة،‮ ‬وقد تسرب إلى جنودهم الجبنُ‮ ‬والوهن،‮ ‬هم كما وصفهم القرآن‮ “‬لَا‮ ‬يُقَاتِلُونَكُمْ‮ ‬جَمِيعًا إِلَّا فِي‮ ‬قُرًى مُحَصَّنَةٍ‮ ‬أَوْ‮ ‬مِنْ‮ ‬وَرَاءِ‮ ‬جُدُرٍ‮…”. ‬

الانتفاضة لم تُرعب الصهاينة وحدهم،‮ ‬فقد امتد أثرها لملفات الإقليم ومنها النزاع السوري‮ ‬خوفا من حصول تقاطع في‮ ‬مكان ما‮ ‬يشتبك فيه الملفان،‮ ‬خاصة مع بداية بناء تحالف‮ “‬رومي‮ ‬نصراني‮” ‬نراه‮ ‬يوظف الوكلاء من العرب والمسلمين،‮ ‬ويشرك الكيان الصهيوني‮ ‬في‮ ‬التنسيق الإستخباراتي‮ ‬والأمني‮. ‬

وليس لقاء فيينا الرباعي،‮ ‬الذي‮ ‬سبقته مراجعة‮ ‬غير متوقعة في‮ ‬المواقف،‮ ‬سوى عملية استباقية لمنع قيام وتوسع مثل هذا التقاطع بين القتال في‮ ‬سورية والانتفاضة التي‮ ‬قلبت الطاولة على الجميع،‮ ‬وأعادت تصحيح وجهة بوصلة العرب والمسلمين،‮ ‬لتذكّرهم بهذه الحقيقة‮: ‬أنه لا سلم ولا سلام ولا استقرار في‮ ‬الشرق الأوسط قبل أن‮ ‬ينصف الشعب الفلسطيني‮ ‬ويستعيد حقوقه كاملة‮. ‬

مقالات ذات صلة