عمر الزاهي.. بلبل الشعبي الذي كف عن الصداح
عمر الزاهي، عميمر، عمر الرانفالي.. أسماء مستعارة لشيخ الشعبي بلا منازع في الجزائر. فالعنقى والعنقيس والباجي ودالي عاشوا المجد وعانقوا الشهرة، لكن بلبل سيدي عبد الرحمن، اختار أن يصدح على هواه في صباح مشمس أو عشية سمر يغني للحب وللوطن، ويشدو بمدح النبي الكريم. ولد في بداية العام ورحل في نهايته، عمر الزاهي، الحكاية من البداية إلى النهاية.
اسمه الحقيقي أيت زاعي عمر، ولد في الأول من جانفي عام 1941 في إيغيل بوعامس، بلدية إبودرارن بدائرة بني يني تيزي وزو، وهي قرية أنجبت المغني الشاعر لونيس أيت منقلات.
ومثل جميع أقرانه، شغف عمر الزاهي بالموسيقى الحديثة والطبوع السائدة المختلفة في ذلك الوقت. هذا الحب تحول إلى رغبة جامحة في تحسين معرفته في المجال الموسيقي، لذلك التحق بدورة تدريس السولفيج في شارع حماني (شاراس سابقًا) يديرها مدرس موسيقى من أصل فرنسي.
ألقاب كثيرة وموهبة واحدة
![]()
صقل عمر الزاهي معرفته بالشعبي، من خلال الاستماع إلى الشيخ الحاج بوجمعة العنقيس، وصار الزاهي على دراية تامة بألحان موسيقى الشعبي، في بداية الستينيات، ومن شدة التأثر به عرف الزاهي بـ”عمر العنقيس” من عام 1961 إلى عام 1963 حينها. وابتداء من 1964 عرف باسم مستعار آخر هو ” عمر الرانفالي”.
تعلقه بالموسيقى الشعبية انقلب إلى مهمة حياة. وهذا بفضل لقاء من فوق السحاب مع عملاقين في الشعبي آنذاك، محمد غانم المعروف باسم الشيخ لحلو، ومحمد الإبراهيمي الشهير بالشيخ قبايلي، الملقب أيضًا بالشيخ حمدان.
ولتأطيره، كان له الحظ في أن يتعلم تحت جناح شيخ من شيوخ القصبة، وهو الشيخ قدور باشطبجي، الذي سيلازمه مدة عشرين عاما، علمه فيها أسرار وخبايا الشعبي وأساسيات الغناء بكل تفان ونكران للذات.
بعد التعلم، يأتي التطبيق، ولم يكن هناك في صناعة الشعبي أكثر دهاء من الزاهي، إذ أنشـأ يجمع المقاطع الموسيقية التقليدية المضافة إلى بعض القصائد القديمة، وشرع في التلحين بنفسه، مستعينا بالجيتار في البداية. وكما تمليه تقاليد الشعبي، قام الزاهي باستبدال هذا الجيتار بالماندول؛ هذه الآلة الأسطورية، التي أدخل عليها الحرفي “جان بليدو” تغييرات بناء على إرشادات الشيخ الحاج محمد العنقة، وتم تقديمها لأول مرة، في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي. وليومنا هذا، لا يزال الموندول الآلة المفضلة لدى جميع شيوخ موسيقى الشعبي. هذه التجربة الجميلة في التلحين شجعته لخوض مسابقة غنائية أطلقتها ونظمتها مدينة الجزائر، أين تم الاعتراف بفنه وموهبته، وصار عمار الزاهي “عميمر” لكل محبيه، الذين يعدون بالآلاف بل بالملايين.
كان الشيخ مثالا للتواضع الجميل، لم يعش حياة البذخ والترف والسهرات الملاح، ونجح دون مساعدة أحد، لا الصحافة ولا التلفزيون.
نوادر في التلفزيون
هناك عدد قليل من الإنتاجات النادرة على التلفزيون الوطني للشيخ عميمر، أحدها تم تسجيله في جانفي 1978، عند افتتاح حفل قدمه الشيخ الحاج عبد الكريم دالي في قاعة الإذاعة الجزائرية، وقد قاد الأوركسترا السيد مصطفى اسكندراني. وكان آخر إنتاج له خلال المهرجان الوطني الأول للفنون الشعبية، الذي أقيم في أوت من نفس العام على المسرح الوطني الجزائري، أما البرنامج الآخر، فقد تم تسجيله في قاعة الموقار في نوفمبر 1969 بمناسبة المهرجان الوطني للأغاني الشعبية. وكانت آخر إطلالاته التفلزيونية الرسمية النادرة في المسرح الوطني محي الدين باشتارزي، خلال الدورة الأولى للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، الذي أقيم في أوت 1978.
عاش الشيخ في حي سيدي عبد الرحمن الثعالبي الشعبي، زاهدا في الدنيا، رافضا جميع الدعوات التي كانت تنهطل عليه يوميا. كان يرفض كل عروض الحفلات المدرة للمال، ليتنازل هكذا عن كل مظاهر الترف، ويسمو بروحه عن الماديات الفانية.
اختار البساطة والعفاف، فعاش بسيطا راضيا بما كتبه الله له من رزق ونصيب، كان يفر من أي شكل من أشكال الشهرة، وحياته أمضاها بين رانفالي وضريح سيدي عبد الرحمن وحديقة براغ المقابلة لبيته، كانت هذه المساحة الصغيرة هي عالمه ولم يغادرها إلا فوق الأكتاف.
أسرار في حياة عملاق
![]()
يدين الشيخ عمر الزاهي باسمه المستعار للمؤلف الكبير كمال حمادي، عندما قدمه لرئيس شركة “نجوم الفن” في الجزائر العاصمة. لم يستسغ حمادي لا اسم عمر العنقيس ولا عمر الرانفالي ولا حتى اسمه الحقيقي آيت زاعي فأطلق عليه اسم عمر الزاهي، أي المنطلق الفرح البهيج. لم يكن يبدو عليه الفرح والغبطة الزائدين، لكن أغانيه أدخلت السرور إلى قلوب المعجبين المتذوقين للشعبي بألحانه وقصائده، متقنة الكلام والقافية.
النجومية عرفها مع المؤلف محبوب باتي، الذي قدم له أجمل الأغاني الخالدة، مثل “يا لعذرا نظرة عينيك باينة” و”جهلت كل صاحب”.
أغاني عمر الزاهي في أشرطة التسجيل الصوتي والأقراص المدمجة الصوتية لا تعد ولا تحصى في السوق، وبذلك فقد تفوق على جميع مبيعات المطربين في الجزائر.
في عام 1971، واصل سلسلة التسجيلات بإنتاجه مع محبوب باتي، ضمن نفس شركة التسجيلات التالية: “ذيك الشمعة اللي حرقنا”، “سالي تراش قلبي يعطيك خبارو”، “ما حاجتي بضي الشمعى مالي حاجة” و”نويت الغدرة”. وكلها كللت بنجاح كبير.
يتأرجح سجل الشيخ الموسيقي الثري بين النصرافات والنقلبات الأندلسية المشهورة وبين الحوزي والعروبي إلى المديح الديني الذي ارتقى به إلى مصف عمالقة الشعبي.
ولخلق جو بهيج في حفلاته العائلية، ألف الزاهي الطقطوقات المترنحة الزاهية، واستلهم شعره من النصوص الجزائرية والمغربية، وأيضا النصوص الحديثة لكتاب كلمة شباب.
عرف الزاهي بولعه بالشعر الملحون، فكرم من خلال أغانية الكبار أمثال الشيخ سيدي لخضر بن خلوف، محمد بن مسايب، أحمد بن تريكي، بن سهلة محمد وابنه بومدين، طاهر بن حوا، محمد نجار، مصطفى بن إبراهيم، عبد القادر بن محمد، مصطفى الكبابتي، قدور بن عاشور.
النجم يأفل مرتين
![]()
لأسباب مجهولة، اختفى الزاهي للمرة الأولى عام 1980 لمدة سبع سنوات، وعاد إلى المسرح عام 1987 لإقامة حفلتين في قاعة ابن خلدون، أمام حضور مذهول مشدوه بسحر اللحظة، وتجرع إكسير صوته المآسي كأنه آخر كأس.
وفي عام 1991 اعتزل مرة أخرى لنفس الفترة. كان يعي محبة الناس له، فكان يظهر بين الفينة والأخرى في بعض الأعراس العائلية وسهرات الآل.
بعد فترة أخرى دامت نحو عشر سنوات، ظهر باحتشام أثناء تكريم الشيخ الحاج محمد العنقى، في قصر الرياس (باستيون 23 سابقًا) الذي أقيم في 23 نوفمبر 1997. في 2013 اعتزل الشيخ نهائيا الفن وكان حضوره رمزيا فقط في بعض المناسبات الخاصة.
ظل عمار زاهي مخلصًا لنهجه وفيا لمبادئه، حتى يوم الأربعاء 30 نوفمبر 2016، وهو اليوم المصيري الذي توفي خلاله في منزله عن عمر يناهز 75 عامًا.
دفن الشيخ عمار زاهي الخميس 1 ديسمبر 2016 في مقبرة القطار بالجزائر العاصمة، ورافق جسده عشرات الآلاف من المعجبين الذين جاؤوا من جميع أنحاء البلاد، لتحية نجمهم، في جنازة فخمة، تليق بمطرب شعبي أحبه كل الجزائريين..