الرأي
الخلافة الراشدة..مواجهة التحديات الخطيرة

عمر ..النموذج الفذ للحاكم الإسلامي

صالح عوض
  • 2108
  • 0

يقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أكثر من صعيد يؤسس لدولة غير مسبوقة في تاريخ العرب وغير مكررة في تجارب الشعوب والأمم.. دولة لا تحدها حدود جغرافية فهي دولة الرسالة التي تنساح في الأرض شرقا وغربا.. وتتفتق عبقريته في التعاطي مع النصوص والواقع بروح الملتزم المجتهد..

وأسس ابن الخطاب جهازا إداريا نابها حيويا لم تغب عنه المراقبة والمحاسبة لحظة ويرسل في الأمصار من يجمع الشكاوى ويتفقد أحوال الناس ويقعد الولاة للمساءلة فيعزل أو يعاقب أو يثني ولا تأخذه في ذلك لومة لائم، فكم من صحابي جليل عزله من منصبه وكم من صحابي كريم أجلسه للمحاسبة وساءله من أين لك هذا، وقسم ثروته قسمين أحال أحدهما لبيت المال.. وهو في كل هذا يحرر المناصب من الاحتكار والقداسة ويجعل الناس وصلاحهم وخيرهم هو المعيار في نجاح الوالي من فشله..

ولقد فتح عقله في كل اتجاه للاستفادة من تجارب الشعوب لا بتقليدها ولكن بهضم أدواتها في الترتيب والإدارة ووضعها حيث لابد أن تكون في تكوين مؤسساته الإدارية.. ونهض بالرأي المخالف والمعارضة الحقة فحرض الناس على قول الحق في وجه السلطان وتنمية ذلك لأنه لا خير في الناس إن امتنعوا عن النصح ولا خير في القيادة إن هي لم تستمع للنصح..وكان الحاكم زاهدا فطنا لأحابيل الغواية ويقطع عليها السبل.

هذه الخلافة التي نهضت بالقوانين، والقضاء القائم بالقسط، والفتوح المتواصلة، ونشر العدل وبسط الأخوة الانسانية، وبناء الإدارات والمؤسسات الجديدة.. هذه الخلافة التي لا معيار فيها إلا معيار القسط والعدل والوحدة والتماسك تجلت في عهد عمر بن الخطاب.. ولعل الحزم والالزام بالقانون وتفتق الحلول نزولا عند مصلحة العباد كانت السمات الأولى في تلك المرحلة..


عثمان: سماحة الرسالي وتطورات اجتماعية

ولكن الخلافة تواجه التحديات الخطيرة والكبيرة في عهد سيدنا عثمان ذي النورين، فبعد الجزء الأول من خلافته حيث كانت في معظمها تواصلا مع خلافة الشيخين، جاء الجزء الأخير من خلافته ليشهد اضطرابا في الخلافة بعد أن بدأ الأمويون يستغلون وجود سيدنا عثمان رضي الله عنه في رأس الحكم فيتوسعون في التكسب والتجبر على عباد الله حيث ولاياتهم التي لم ينالونها إلا لقرابتهم.. وفي عهد سيدنا عثمان لم يتواصل باب المحاسبة والمتابعة للولاة والتفتق الذهني لمواجهة التحديات كما قد غاب الحزم المطلوب من حاكم يقود شعوبا لم تعتد الالتزام بقانون يساوي بين الناس..

لقد كان عثمان من جيل الصحابة المميزين والمقربين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صهره وهو ذو حظوة خاصة لديه.. وعثمان هو من جهز جيش العسرة وهو رجل ثابت الايمان وقد سبق كل بني أمية نحو الرسالة المحمدية بفترة طويلة..أجل لقد كان من السابقين السابقين..لكن وإن كان ليس من العدل أن يحرم أحدا من أهله من ولاية هنا أو هناك إن رأى فيه قدرة وقوة، إلا أن سماحته وكرمه الشخصي ولينه رضوان الله عليه حرمه من تقريع المسيئين من بني عمومته وردع المتجبرين من قبيلته، فحمل هذا جموع الناس في أكثر من مكان على الخليفة الزاهد الكريم ..

لم يكن هذا هو التحدي الوحيد الذي واجه الخلافة في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.. فلقد تنامت طبقة جديدة من كبار الصحابة الذين أسهم تضخم الثروة بين أيديهم جراء نصيبهم من الاستحقاقات التي ينالونها من الخراج والغنائم..تنامت طبقة أزعج وضعها المالي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في آخر عمره وتوعدهم أنه لن يمضي عام حتى يعيد هذه الأموال إلى بيت المال وإلى من يستحقها من فقراء المسلمين.. وسيكون لهذا الوضع الاجتماعي الاقتصادي أثره البالغ في حسم القضايا الخلافية..

لم تكن خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه كسابقتها تفتقا ذهنيا وإضافات إدارية وتقنية في الحكم ولم تكن كسابقتها في إدارة مؤسسة الدولة ولم تحمل درة ابن الخطاب لإلزام الناس بالقانون وعدم مد اليد إلى حرام.. كانت الخلافة الراشدة غير قادرة على مسايرة التدفق السريع والواسع لحركة الرسالة والفكرة.. وكان درسا كبيرا وخطيرا لم يتوقعه أحد أن تثور قطاعات من أمة محمد ويقف في مقدمتها صحابة وصحابيات مطالبة بأحكام وإجراءات..لم يكن عثمان بن عفان كعمر بن الخطاب رضي الله عنهما الذي أعلن أنه على استعداد تغيير الولاة مرات عديدة حتى يقتنع الناس بواليهم..وبعد ذلك لا يتركه يفعل ما يشاء وإنما يخضعه دوما للمراقبة والمتابعة والمحاسبة.


علي واستعادة المبادرة

استشهد الخليفة عثمان بن عفان..لترفع الفتن رؤوسها من مخابئها..فالثوار في المدينة والصحابة المنتقدون لعثمان وإدارته يلحون بإجراءات ترجع الأمور إلى نصابها.. ويتولى الإمام علي كرم الله وجهه الخلافة تحت إلحاح الناس وهو يلجأ إلى بساتين المدينة عازفا عنها.. تولى الخلافة في خضم رهيب يضرب عاصمة الخلافة وأطرافها وجهازها الإداري كله..

تولى الإمام علي الخلافة بطريقة أكثر عمقا وجلاء للشورى الواسعة حيث أنه رفض أخذ البيعة إلا في المسجد على رأس الأشهاد، فالعملية هنا لا تشبه السقيفة التي كانت فلتة وقى الله الأمة من شرها كما قال أحد الصحابة ولا تشبه تولي عمر حيث كان لابد من تحديد الاختيار في رجل يهابه الجميع ويستطيع أن ينشط بالدولة بعد قمع الردة براحة وتسليم من الناس، ولا تشبه خلافة عثمان لأنه لا يمكن ربط مصير الأمة برأي شخص أو أشخاص..   أما الآن فخلافة علي تأتي بعد خلافة عثمان لتتحمل مسؤولية تصحيح الأوضاع التي تسببت في ثورة المصريين ومن معهم على الخليفة عثمان.. إذن لابد من إبراز الأساس السياسي في تنصيب الحاكم لأنه يجيء الآن في مرحلة استثنائية..

هكذا نرى تطور  المبدأ السياسي الإسلامي: “الشورى والبيعةحيث تجلى في بيعة علي بأرقى صوره وأوضحها بل لعله الأجلى والأرقى والأوضح.. شورى من كل الحاضرين في المسجد في حضرة جل الصحابة لاسيما أهل الحل والعقد..  أصبح الإمام علي القاضي الأول في الدولة والفقيه الأول والمؤمن الأول برسالة الإسلام بعد خديجة عليها السلام والمرشد المجمع عليه للدولة.. أصبح هذا الرجل الاستثنائي أميرا للمؤمنين بكيفية أصر أن تكون برضا الناس وفي المسجد.. وهنا يؤكد تنصيب الحاكم على اعتبار أنه حق لا يتخلف من حقوق الناس.. وبعد ذلك أخذ علي كرم الله وجهه بإعادة الاعتبار لمعيار المحاسبة وعزل المتوسعين من الولاة وتجريدهم مما اكتسبوا من وجوه غامضة.. وأعلن أنه سيعيد المال إلى بيته حتى لو تزوجت به النساء أو وزع في الأمصار.. ويرفض اعتبار المناصب والمواقع إرثا يتم توزيعه على الأقربين أو الأصدقاء..بل الكفاءة والعدالة.

لقد فتحت على  الإمام علي أبواب التحديات، فداخل النواة الصلبة بعض كبار الصحابة الذين رفض أن يشركهم في إدارة الجهاز الإداري للخلافة . وكبار من الصحابة أحسوا بشدته في موضوع الأسهم من الخراج والغنائم حيث ساوى بين المسلمين كما كان يفعل أبوبكر الصديق..وعلى أطراف الخلافة توحد الأمويون خلف معاوية يرفعون قميص عثمان رضي الله عنه فيما لايزال الثوار يجوبون شوارع المدينة المنورة..

واصل الإمام علي عملية الفتوح ونشط في إرساء قواعد دولة القانون والقضاء والعدل وضبط جهاز الدولة بمعيار أساسه الخبرة والثقة وترك لنا آدابا وقوانين في فلسفة الحكم والإدارة لازالت متألقة متقدمة..حتى جاءت صفين حربا بين الخلافة الراشدة والخارجين عليها بالسلاح.. فكان الحدث الخطير الذي أسس للانحراف السياسي الذي لازلنا نعاني منه حتى الآن.. وباستشهاد الإمام علي انتهى عمر الخلافة الراشدة النموذج الإسلامي في تنصيب الحاكم وإقامة العدل والزهد في حقوق الأمة وبيت مالها..لتولد مرحلة الملك العضوض كما أخبر النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم..

 

سأواصل في الحلقة القادمة قراءتي في حواشي الخلافة الراشدة.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة