الرأي

عندما‭ ‬يمثل‭ ‬السفراء‭ ‬بلدانهم

صالح عوض
  • 4450
  • 2

السفراء ليسوا سواء، فمنهم من فهم المهمة جلب أموال وامتيازات وعمل وظيفي روتيني، ومنهم من فهم المهمة رسالة تنقل هموم شعبه وقضيته وتعميق الأواصر مع دولته.. منهم المتكسب بالحلال والحرام، والمتحايل على المهمات والنثريات، ومنهم المضحي بروحه ووقته من اجل بلده وأهل بلده.. منهم من يكون شامة خير لأبناء شعبه ومنهم من يكون معرة لبني وطنه.

قادني إلى هذا الحديث شواهد كثيرة تأملتها عن قرب لمعاشر السفراء.. وهالني ما رأيت وسمعت عن بعضهم عندما يكونون ممثلين لأقدس القضايا فيما هم لا يسترون عوراتهم التي يندى لها الجبين.. وأعجبني وشد انتباهي بعضهم وهم يمثلون شعوبهم حق تمثيل كما رأيت من السفير الأندونيسي في الجزائر، حيث صادف زيارتي للسفارة وقت الظهر، وبينما كنت أحادث مسئولا ثقافيا في السفارة إذا بالأذان يرفع بصوت عال.. ذهبنا الى قاعة الصلاة في السفارة فوجدت السفير هو من يؤذن ويقيم الصلاة ويِِؤم الصلاة، اصطف خلفه عدة أفراد، وبعد انقضاء الصلاة والانتهاء من الاستغفار والأدعية، وانصرف الجميع، بقي السفير في مكانه، لأنه ملتزم بورد يومي عقب الصلاة، هذا مع العلم أن هذا السفير دائب الحركة على مستوى الجزائر ووسائل إعلامها تعريفا ببلده ومنجزات‭ ‬بلده‭ ‬لتحقيق‭ ‬انفتاحات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وثقافية‭..‬‮ ‬أدركت‭ ‬حينها‭ ‬ان‭ ‬المهمة‭ ‬الصعبة‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تزحزح‭ ‬الصادقين‭ ‬عن‭ ‬التزامهم‭ ‬كما‭ ‬يزعم‭ ‬الفاسدون‭.‬

مهمة جليلة مقدسة تلك التي يتجشم عبأها أشخاص يمثلون بلدانهم وقضاياها.. والسفراء مهمة قديمة قدم التجمعات البشرية، وبرز كثير من السفراء كمنفذين لسياسات دولهم، بل وموجهين للرأي العام.. وفي دائرتنا العربية الاسلامية برزت قيمة السفراء مع انطلاقة الدعوة الاسلامية على يدي الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما انتدب مصعب بن عمير سفيرا له في المدينة وكيف أحدث هذا الصحابي الفذ تحولا جذريا في يثرب لصالح الدين الجديد، كما كان لسفيره إلى بلاد الحبشة جعفر بن أبي طالب عليه السلام، وكيف استطاع ان يكسب قلوب الحبشيين وملكهم لصالح الدين الجديد.. كما كان ربعي بن عامر سفير سعد بن أبي وقاص إلى رستم وقصته الشهيرة.. ولعله غني عن القول ان المسلمين هم من وضعوا أدبيات السفراء ودققوا في حقوقهم وبينوا ضرورة حمايتهم ورعايتهم.

وللأسف هناك مظاهر مرضية خطيرة تلف عمل السفراء، فمنهم من لا يكتفي بجانب التمثيل الدبلوماسي ومتابعة المصالح المشتركة النظيفة بين البلدين، بل يرعى مهمات أمنية دنيئة في البلد المضيف، وبعضهم يقود حملات تحريض وتشويش وبناء شبكات للفساد والرذيلة..

ويحاول بعض هؤلاء التدثر بما يمنحهم إياه القانون من حصانة وبما لقضاياهم من قداسة فيتحركون بلا رادع، متجاوزين الأخلاق والحدود فتكثر في جحورهم الرشوة والمحسوبية وكل الأمراض الفتاكة من الكيد والتآمر على قضيتهم ووحدة شعوبهم.. فيقدمون لأهل البلد المضيف شر صورة عن‭ ‬شعبهم‭ ‬بما‭ ‬يثيرونه‭ ‬من‭ ‬زوبعات‭ ‬ومفاسد‭.‬

ان السفير الذي يمثل قضية شعبه كل شعبه ويتمثل في ذلك بأخلاق شعبه وقيمه، جاعلا خدمة القضية على اول سلم الأولويات، بل الأولوية الوحيدة ان هذا السفير مقاتل من اجل الحرية في الخندق الأول وان كان عكس ذلك فهو متآمر على قضيته وشعبه كأسوأ ما يكون التآمر.

مقالات ذات صلة