الرأي

عندما‭ ‬ينتقد‭ ‬الرئيس‭.. ‬وننتقد‭ ‬نحن

حفيظ دراجي
  • 12484
  • 58

لن أكتب اليوم عن التشريعيات ونتائجها، والقراءات في نسب المشاركة لأن الأمر لا يتطلب كل هذا الاهتمام منا جميعا، ولم يعد معيارا حقيقيا لقياس مدى الاستقرار والرضا من عدمه، والجزائر لم تنهَر بعزوف 60 بالمئة عن التصويت، ولن تتحسن أحوالها لمجرد أن 40 بالمئة أقبلوا على صناديق الاقتراع، كما أن الرئيس في ذكرى مجازر الثامن ماي في سطيف، سرق كل الأضواء بما قاله لجيله بأنه “طاب جنانو”، وبإعلانه أن عهد الشرعية الثورية قد ولى، وحان موعد جيل الاستقلال ليستلم المشعل من جيل قام بواجبه ونال حظه، ولم يعد بإمكانه الاستمرار في مواقع المسؤولية..

أجد نفسي كذلك مترددا كل مرة في الكتابة عن عديد الأمور رغم أننا نكتب ونتكلم ونكرر ونعيد كل مرة فننتقد ونثمّن، ونشكك ونشجع، ونتكهن ونتوقع بكل المحبة والود ودون حقد أو كراهية، ودون خوف أو طمع، وبرؤية حرة ومتحررة من كل العقد التي رافقت أجيالا وشخصيات ومؤسسات برمتها، ولكن قوة الشر تتربص بنا كل مرة لتثير الفتن وتشكك في النوايا، وتجعل من النفاق ثقافة وممارسة يومية، وتسعى إلى تخوين كل من كان ولاؤه للوطن وليس للعباد من البشر. أقول هذا الكلام في ظرف يتميز بالكثير من النفاق والمزايدة، والكثير من الخوف والتردد والتشكيك من قبل الانتهازيين والمطبّلين الذين يصفقون للرئيس عندما يقول بأن “جيله طاب جنانو” ولا يمكنه الاستمرار في قيادة البلد، وعندما يقول بأن “الشرعية التاريخية انتهت.” لكن نفس هؤلاء الذين يصفقون ويهللون للرئيس تجدهم يشككون في وطنية كل من يتجرأ ويقول أو يكتب نفس الكلام، ولو قال أو كتب أي مواطن بسيط بأن جيل بوتفليقة، انتهى و”طاب جنانو” لوصف من قبل المطبلين والمزمرين بكل النعوت، وقيل عنه بأنه معارض للرئيس وللوطن وخائن وعميل ووو… إلخ. وضع بائس وتعيس فعلا وعقلية متخلفة وحاقدة وإقصائية كتلك العقلية التي اعتبرت المقاطعين للتشريعيات بأنهم معارضون وغير وطنيين، في ظرف يظهر فيه الرئيس أكبر المنتقدين والمعارضين وغير الراضين على أحوالنا وأوضاعنا، وفي ظرف نخطئ فيه في تحديد العدو من الحبيب وننسى أن من يهدد الجزائر وأمنها واستقرارها ليسوا أبناءها في الداخل أو الخارج، وإنما أعداؤها الذين حاولوا ضرب الوطن من الداخل سنوات التسعينيات بإثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، ولما أخفقوا راحوا يحاولون ضربه من الخارج بإثارة الفتنة مع المغرب ثم مع ليبيا، واليوم مع الجارة مالي، وراح بعضهم يتكهن بربيع وخريف في الجزائر ويتوقع انفجار الوضع في كل مرة!!، المشككون راحوا يخونون الجزائريين ويتغاضون عن الأعداء الحقيقيين لوطن يملك كل مقومات الوصول إلى مرحلة أخرى، ليصبح برازيل حوض البحر الأبيض المتوسط، كأكبر بلد إفريقي ومتوسطي من حيث المساحة، وبـ1200 كلم من السواحل و37 مليون جزائري تقل أعمار75 بالمئة منهم عن 35 سنة، ويتخرج من جامعاته ومعاهده سنويا أكثر من مليون حامل للشهادات العليا، وبلد تتزين خزائنه بـ200 مليار دولار ومداخيله من المحروقات لا مثيل لها، وقدراته الاقتصادية والسياحية تجعل منه أكبر البلدان في العالم، لو حدث التغيير والإصلاح والتصحيح الذي تحدث عنه الرئيس، ونتحدث عنه كل مرة وتفرضه وتقتضيه التحولات التي يشهدها المجتمع ويعرفها العالم من حولنا، خاصة أن أوراق اللعبة ما زالت بحوزتنا ومصيرنا بين أيدينا و”عاش من عرف قدره”. ما قاله الرئيس في سطيف، يفكر فيه الكثير من الجزائريين منذ مدة،‭ ‬ولكن‭ ‬متى‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬والتدبير‭ ‬إلى‭ ‬التجسيد‭ ‬والتنفيذ؟‭ ‬ومتى‭ ‬نستثمر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قدراتنا‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬والطبيعية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭ ‬ويحسدنا‭ ‬عليها‭ ‬القريب‭ ‬قبل‭ ‬البعيد؟‭

مقالات ذات صلة