عندما لا يحترم القانون نفسه!!
ينتابك شعور أحيانا أن هناك تأخر في بعض المجالات الإدارية والقانونية، قد أثر سلبيا على حركية التحول التي يشهدها المجتمع الجزائري منذ أحداث أكتوبر 1988، والانتقال من الأحادية إلى التعددية والانفتاح، ومن التسيير الإداري للاقتصاد إلى اقتصاد السوق، بحيث لا تزال إلى اليوم ونحن مشرفون على العقد الرابع من بداية التحول بعض قضايا غير مبتوت فيها، لافتقارها لعمية التحيين القانونية والإدارية، فنجد بعض الأنشطة تمارس وفق ما تقتضيه التحولات، بينما من الناحية الإدارية أو القانونية تعد هذه الممارسة غير قانونية وتعرض صاحبها إلى المخالفات، وأقل ما يقال عن حالات مثل هذه، أنها غير سوية وغير سليمة.
إن المفترض في كل مجتمع أن يكون القانون هو الحكم، بين الناس وبين المؤسسات، والحاسم فيما بينهم من خلافات واختلالات… ولكن ما حيلة المواطن عندما يكون في القانون اختلالات وتناقضات يصعب التكيف معها؟ وما هو الحل عندما تتضارب نظم المصالح والمؤسسات مع مصالح الناس وغاياتهم، ثم كيف يتم التعامل مع مثل قضايا التي تتناقض والمقررات الإدارة المراد التعامل معها؟ وإذا كان في القانون خللا بسبب افتقاره للتحيين، كيف يكون مصير المواطن الذي عُلِّقت مصالحه وعطلت بسبب ذلك؟
ذلك ما يعاني منه الناس في حالات كثيرة نتيجة تخلف المنظومة القانونية والإدارية عن التحولات التي تشهدها الجزائر منذ انتفاضة أكتوبر 1988، حيث كان النظام السياسي ومؤسساته يُسيَّر إداريا، ثم بعد سنة 1988 وبموجب الدستور الجديد دستور فبراير 1989 وما بعده من تعديلات، وما جاء به الانفتاح السياسي والتحول الاقتصادي كما أسلفنا، ولكن المنظومة القانونية التي كان ينبغي أن تكون مواكبة لهذه التحولات بقيت على حالها، فوقع الناس في خلل كبير، يهدد الناس في حاجاتهم ومصالحهم، ويوقعهم في حرج سواء في تعطيل حركية المجتمع بما يقتضيه الانفتاح الجديد، أو حركية الاقتصاد التي تتطلب الكثير من المرونة التي لا يعرفها التسيير الإداري.
وما لمسناه في الواقع مما يستلزمه التحول، أن هناك أمور لم يستجب لها القانون الذي وضع على أسس التسيير الإداري لمؤسسات البلاد، وبين يدي نموذجين إثنين يعاني صاحبيهما معاناة شديدة بسبب هذا التخلف أو هذا الاختلال.
النموذج الأول: شركات نقل الأشخاص، التي تخضع قانونا حسب النظام القديم الذي لا يزال مفعلا إلى الآن، إلى ترخيص خاص من مديرية النقل يسمح للشخص أو المؤسسة بممارسة نشاط النقل “طاكسي”، بينما في الواقع الآن هناك شركات تنشط بسجل تجاري وتتعاقد مع أشخاص عاديين من أصحاب السيارات الخاصة، مقابل نسب معينة تأخذها المؤسسة عن السائق المتعاقد. وإلى حد الآن توجد ثلاث شركات رئيسية: يسير، هيتش، وإن درايف، تمارس نشاطها، وقد ساهمت في حل مشكلات الناس وفي قضاء حوائجهم، وهي شركات لها حضور قوي، بل إن هذه الشركات الثلاث تتنافس على استقطاب الزبون الجزائري، وكلها تقدم خدمات مميزة، بحيث كسرت قرون أصحاب الطاكسيات، الذين استغلوا حاجات الناس، باحتكارهم للمهنة، بحيث أمعنوا في إذلال الناس، بقدر لم يعد يطاق…، مما جعل الناس يرون في تلك المؤسسات حلولا مناسبة لهم، ولكن المشكل أن هذه المؤسسات التي تقدم خدمات ممتازة للمواطن ومرضية للناس، أن ممارستها لهذا النشاط من غير ترخيص من الجهات المختصة، الذي ينص عليه القانون القديم، ولم تتعرض للمحاسبة؛ لأنها لا تمتلك سيارات تعرف بها في الحياة، وربما يكون سيارات، ولكنها لا تحمل اسم المؤسسة، وإنما تتعامل مع سُوَّاق سيارات بسياراتهم الخاصة مقابل نسبة مئوية يقدمونها لكل متعامل معهم.
ولهذه لمؤسسات، ربما إثبات وجود للشركات بسجل تجاري وتصريح ضريبي… ولكن المتعاملين مع المؤسسة من الشباب الذي وجد في هذه المهنة مخرجا لمساعدته على متاعب الحياة، ليس لهم ما يحميهم من الناحية القانونية إذا يعتبر نشاطهم غير قانوني، فلو يقع عنصر من هؤلاء المتعاملين بين يدي الشرطة، فإنه قد يصاب بما لا تحمد عقباه، فإلى متى يبقى هذا المشكل قائما؟
ولتجاوز هذه المشكلة لا بد من مخرج، إما أن هذه المؤسسات تمنع أساسا من النشاط لمخالفتها القانون، فيربط السجل التجاري بالرخصة المطلوبة، مثل سائر المهن الحرة الخاضعة للترخيص الخاص، أو أن القانون يعدل ويحين بما تقتضيه التحولات التي شهدتها الجزائر بعد الانفتاح 1989.
والنموذج الثاني، المستثمرون الذي أرادوا أن ينشئوا مشاريع استثمارية على أراض لهم مصنفة ضمن الأراضي الفلاحية، أو مناطق غابية، فكل من أراد إنشاء مشروع على أرض هذا شأنها عطل مشروعه بهذه الحجة، رغم أن الأراضي المصنفة فلاحية إذا كانت ملكية خاصة، من التي بيعت للناس وأنشأوا عليها سكنات خاصة، قد راعت الإدارة الوضع ودعت الذين بنوا بيوتا على أراض من هذا النوع أن يسووا وضعياتهم عن طريق البلدية والمصالح المختصة محليا، أما المستثمرون فلم يسمح لهم بذلك، وبقيت مشاريعهم معلقة…، ورغم أن الإدارة بسبب هذه الإشكالات القانونية، لجأت إلى فكرة جديدة وهي عرض مشاريعهم وإشكالاتها على الإدارة المحلية من أجل الحصول على ترخيصات استثنائية، وذلك لتجاوز المعيقات البيروقراطية… ولا أدري لماذا لم تذهب الإدارة مباشرة إلى حل المشكل نهائيا بالبحث في جذور المشكلة وحلها نهائيا؟ لماذا نعالج الأمور بالاستثناءات ونترك السبل السوية ونذهب إلى السبل الاستثنائية المعوجة.
لا شك أن الحفاظ على الأراضي الفلاحية أمر مهم جدا، ولكن لماذا لم نفكر في الأراضي الفلاحية عندما شرعنا في البحث عن حلول لمشكلة السكن؟ حين لجأنا إلى الدفع بالاسمنت المسلح لغزو المناطق الفلاحية بلا رحمة ولا شفقة ولا مبالاة؛ بل في بعض المناطق أنشئت منطقة صناعية في أرض فلاحية، وفي نفس المنطقة في الضفة المقابلة أرضا صخرية تركت فارغة لا شيء فيها…، ومثال ذلك في مدينة سعيدة، الطريق الوطني على يمينها أرضا فلاحية أنشئت عليها منطقة صناعية، وعلى يسارها منطقة صخرية فارغة لم يبن عليها شيء… وهذا ناهيك عن المناطق الفلاحية الكثير عبر الوطن التي غزاها الاسمنت المسلح، كالمتيجة والجهة الشرقية للعاصمة ابتداء من الحراش إلى بومرداس ومن بومرداس إلى البويرة… جرائم ترتكب في حق “الأرض والفلاح” التي أفنى أحمد وحيد رحمه الله عمره في التغني بها وبمنتجاتها المباركة.