الرأي

عندما نطق نوفمبر حرية

صالح عوض
  • 1619
  • 0

وقوفا وقوفا فإن رايتنا تعلو.. وقوفا وقوفا فإنهم يمرون الآن بين الجبال والتلال والأزقة والمداشر من غرب الوطن إلى شرقه..

 تحسسوا أثرهم تجدون التراب يضيء إجلالا لأقدامهم البهية وقد قبلها عشقا واعتزازا.. وتحسسوا الهواء فلا زال عبق أنفاسهم الرضية تبث في المكان الإباء والعزة.. وضعوا أيديكم على قلوبكم فهاهو بن بولعيد يوقد مشعل الثورة فتضيء الجزائر كلها بأمر ربها.. بل تضيء كل نفوس الأحرار في العالم.. اليوم يصاب المستعمرون في كيانهم بضربة الفناء.. اليوم تتكسر أنياب الوحوش الضارية وتشرق الأرض بالحنون والأزاهير الطيبة.. فيا كل روحنا اشربي من نبع الثورة واتركي على ضفاف الزمن قصائدنا للأوراس الأشم وللقصبة العصية وفجرينا ينابيع لا تنضب وكوني وسادة حب تحت رأس بن مهيدي العزيز يا معجزة الحياة في زمن الموت الأسود.

عندما نطق نوفمبر حرية بدأت التواريخ تدرك ذاتها، والأيام تعد ساعاتها، والكون كل الكون يقف على أمشاط رجليه، ينتظر -حابس الأنفاس- المآلات لمعركة إرادة الخير ضد أدوات الشر والجريمة فيما الزمان يكتسي بما يليق بالمكان من بهاء.. 

عندما نطق نوفمبر حرية اندلع الشعب وانداحت إرادته في كل الجهات.. لم يكن قرارا دوليا ولا هوى من ذات يمين أو ذات يسار.. لم يكن أيديولوجيا نخبة ولا رؤية مجموعة.. كان محصلة الدم عبر قرن وربع من الزمان وكان حصيلة وعي وثقافة عبر جولات من الصراع الثقافي والحضاري وكان حوصلة تجارب عمل واشتباك مع تفاصيل المستعمر وكان بعد ذلك كله استجابة القدر الجميل لإرادة شعب قرر الحياة أو الحياة.

عندما نطق نوفمبر كان التاريخ البشري يقول: هاهي بدايات الانتصار ضد المستعمرين في أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية.. هاهي البشارات وهاهي التجربة وهاهي النواميس.. فكانت الاستجابة لروح نوفمبر أن تحررت شعوب وسقطت كيانات استبدادية وأصبحت الجزائر قبلة الثوار وكعبة الأحرار في العالم كله.

عندما نطق نوفمبر حرية ملأ الكون هتافه، ودوى في الخافقين نداءه، فلم يبق حر على ظهر الأرض إلا وقد ضبط توقيت آماله ومستقبله على وقع الاشتباك المتعدد والعميق والمستحيل..  لقد كانت الأمة كلها تنبض بقلب الجزائر، وكان أحرار العالم وشرفاؤه في كل مكان متطوعين، بعقولهم، وأرواحهم، وقلوبهم، وبما يستطيعون من أجل انتصار الإنسان على الاستعمار في الجزائر.

وكانت فلسطين أول المنتصرين بنوفمبر المجيد.. وكان صدى ثورة الأوراس يجلجل في جبال الخليل ومخيمات غزة والجليل الأعلى وعلى شواطئ حيفا ويافا وعكا.. فمبارك لنا نوفمبر مباركة لنا إرادة الحياة وعزيمة الكرامة والعزة.. فتحية المجد للشهداء والمجاهدين ولأهلهم.. تحية بحجم انتصارنا العظيم تعبد طريقنا إلى القدس الشريف.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة