عندما يستقيل النظام والشعب معا؟
الرياضة الجزائرية في الألعاب الأولمبية في لندن، تُصفع فرديا وجماعيا ووزارة الشباب والرياضة لا تبالي، وسعر الإسمنت قارب الألفي دينار للكيس الواحد ووزارة السكن لا تبالي، والتجارة الفوضوية أغرقت الشوارع في القاذورات والأوبئة ووزارة التجارة لا تبالي، والجزائريون عادوا إلى عصر الشموع ومديرية الكهرباء لا تبالي، والطلبة الحاصلون على شهادة البكالوريا تائهون ووزارة التعليم العالي لا تبالي.
الحرائق التهمت قرابة العشرة آلاف هكتار من بقايا الغابات ووزارتا الغابات والبيئة لا تباليان، ومشروع الطريق السيّار الذي استهلك أربعة عشرة مليار مشلول في نقطته الأخيرة ووزارة الأشغال العمومية لا تبالي، ومساجد تحوّلت إلى فنادق وبؤر لمختلف الأمراض الاجتماعية ووزارة الشؤون الدينية والأوقاف لا تبالي، والماء غائب عن الكثير من القرى والمدن الكبرى ووزارة الموارد المائية لا تبالي، والأحياء غارقة في أطنان من الزبالة ووزارة الجماعات المحلية لا تبالي، و”حبل” الضياع على “جرار” بقية الوزارات والمديريات والسلطة غائبة بشكل لم يسبق له مثيل في أطول وأغرب عطلة في تاريخ الجزائر، فقد كان الإجماع على مدار عقود على أن أداء المسؤولين في الجزائر رديء وصار الإجماع على أنه لا يوجد أداء أصلا.
وعندما يكون رب البيت للدف ضارب وللمزمار عازف، فإن المواطن لن يبق أمامه سوى الرقص على طريقة “التهوال” الذي ينتهي بالدخول في غيبوبة، هي للأسف حالة البلاد في الفترة الأخيرة، حيث تجمّدت العقول وشُلّت الأذرع وتبخرت الحركة باستثناء الاستهلاكية التي حوّلت الجزائري إلى جهاز هضمي يبتلع المأكولات والمشروبات العابرة للقارات، وهو يعلم أنها من ريع النفط الذي لولاه لتحوّلت الجزائر إلى صومال جديد، رغم الفارق الموجود بين البلدين في كون مسؤولو الصومال يفكّرون وشعب الصومال يجتهد.
لقد كان شائعا شعبيا أن وجود المسؤولين عندنا كعدمه، وكثيرون اقترحوا الاستغناء نهائيا عن المجلس الشعبي الوطني وبقية المجالس المحلية، ورأوا في وجود سفارات في الخارج وحكومة بطاقمها البشري وميزانيتها المالية أوجاع رأس وتبذير للمال العام وضحك على الأذقان، لكن أن نجد أنفسنا في هذا الوضع، فذاك ما لم يتصوره أحد في بلد دفع مبلغا خرافيا فاق 600 مليار دولار لأجل خماسي وُصف بالحاسم والمصيري، وبآخر فرصة لإنقاذ بلد توفرت فيه شروط النهضة والنمو منذ استقلاله وأضاعها في عدة مناسبات، وكان شائعا أن البرلمانيين يأخذون المال من أجل رفع الأيدي، فقرروا أن يُنوّموا حتى اليد الوحيدة التي كانت تتحرك نحو الأعلى، فغابوا نهائيا عن المشهد الشعبي في احتجاجات الكهرباء رغم أن صدى ما قالوه في ماي الماضي مازال يُسمع في زوايا الكثير من الأزقة والقاعات، وارتضوا الموت الإكلينيكي الذي يوجد فيه قطار النمو، والمتهم هذه المرة السلطة والمواطن على حد سواء.
الأمم أشكال وألوان بعضها يشتغل فيها الشعب، والملوك والمسؤولون يترفّهون، وفيها من يبذل الحكام جهدا ولكن الشعب لا يتناغم مع أداء القمة، وفيها من يتحد فيها الشعب والسلطة على العمل كما هو حاصل في شرق آسيا وأوروبا، ونخشى أن نكون من فئة أخرى لا شعب فيها يشتغل ولا سلطة.. بل إننا للأسف منها؟