الرأي

عندما يصغر “الكبار”

الإمام الشعبي (ت 104هـ) قيل عنه إنه لم يوجد في وقته أعلم منه ولا أفقه.. والمقصود بهذا الكلام ليس معناه الظاهر، وإنما المقصود منه ورعه الكبير وخشيته لله عز وجل فيما يقول أو يعمل، لأنه يعلم أن كل واحد مؤاخذ على أقواله وأعماله، ويؤكد هذا المعنى ما نسب إليه، وهو “ليتني ما علمت شيئا”. مخافة أن لا يكون مخلصا فيما قال، وأنه ما قال الذي قاله إلا نشدانا للفخر والمراء، لنيل رئاسة ودنيا فانية. (انظر: موسى الشريف: نزهة الفضلاء، تهذيب سير النبلاء، للإمام الذهبي… ج2. ص 501).

وقد أعجبني ما أورده الشيخ أبو يعلى الزواوي (ت 1952) من كلام منسوب إلى الإمام الشعبي، يدل على سداد رأي، ورجاحة عقل، ودقة نظر، وهو أنه عندما سُئل: كيف تعرف عقل الرجل؟ قال: “إذا كتب فأجاد”. (التعريف بالشيخ أبي يعلى الزواوي… وآثاره. عبد الرحمان دويب، ومحمد الأمين فضيل… ج1. ص 337). وبمفهوم المخالفة فإذا كتب كاتبٌ وكان مخطئا، خاصة إذا كان جاهلا أو متعمدا الخطأ، ومتجنيا على الحقائق، كان ذلك “نقصا” في عقله، وسوءا في خُلقه… ومن المعلوم أن الإجادة أنواع أهمها اثنتان: 

*) إجادة تعبير وتحرير

*) وإجادة تفكير. 

ويؤكد أهل الذكر في هذا الشأن أن الإجادتين متلازمتان، فإجادة التعبير دليل على إجادة التفكير، وإذا كان التعبير سيئا كان التفكير أسوأ.. ولا شك في أن الذين قرأوا يوم الخميس الماضي (13-9-2017) في جريدة الشروق ذلك العرض لما جاء في مذكرات “الأخ” عبد السلام بلعيد، لا شك في أنهم سيوافقون الإمام الشعبي في حكمه… لست مؤهلا للتعليق على ما قاله الأخ عبد السلام بلعيد عن زملائه في السلطة في فترة الأخ هواري بومدين، فـ”المعاصرة حجاب” كما يقال، وإن كنت قد كوَّنت رأيي الخاص في الأخ عبد السلام بلعيد، الذي لم ألتقه عرضا إلا مرتين أو ثلاثا.. وهذا الرأي الخاص هو استهجاني تعيين الأخ عبد السلام بلعيد فرنسيا، “تمسلم” و”تجزأر”، هو “مراد كاستيل، أمينا عاما لـ”الإمبراطورية” التي تربَّع على عرشها نحو عشرية كاملة، وهي وزارة الصناعة والطاقة.. وهو – الأمانة العامة لوزارة الصناعة والطاقة – “منصب استراتيجي جدا”. كما جاء في كتاب الأخ عبد الحميد براهيمي في أصل الأزمة الجزائرية. ص 137. وكثيرا ما كنت أربط في ذهني بين هذا “الكاستيل” وبين “ليون روش” الذي “انخدع” له الأمير عبد القادر فائتمنه على ما لا ينبغي الاطلاع عليه إلا لمسلم صادق الإسلام، ومؤمِن مؤمَّن. 

إن أهم ما أهمني في “هدرة” سي بلعيد هو ما جاء عن شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي، من أنه اعتبر “أول نوفمبر مثل الكارثة”، وأنه غادر القاهرة إلى الباكستان حيث بقي هناك إلى أواخر 1959، وأنه “طوال وجوده في القاهرة وقف ضد الثورة”، وأنه “لم يكتب أي مقال طوال الثورة يساند فيه نضال الشعب”. هذه “الهدرة” البلعيدية تدل على أحد أمور ثلاثة هي: 

*) إما أن الأخ سي بلعيد لم يقرأ شيئا مما كتب الإمام محمد البشير الإبراهيمي لا قبل الثورة، ولا في أثنائها، ولا بعد الثورة.

*) وإما أنه قرأ قليلا أو كثيرا، ولكنه لم يفهم شيئا، وقد يُعذر في ذلك لأن “نيفو” الإمام – تفكيرا وتعبيرا – عال جدا على مستوى من “أخفق في دراسته الطب، إذ بقي خمس سنوات في السنة الأولى”. 

(انظر عبد الحميد براهيمي: في أصل الأزمة الجزائرية… ص 137). 

رغم أن لغة الطب مباشِرة، ليس فيها كناية أو تشبيه أو استعارة، وليس فيها ما بين السطور، ولا ما وراءها. 

*) وإما أنه قرأ ما كتب الإمام الإبراهيمي، و”فهمه” على نحو من الأنحاء، ولكنه بخس الإمام حقه، “حسدا” من عند نفسه… وهذا مرضٌ نفسي لا منجاة منه إلا “لمن خشي ربه”، واستيقن أنه آتي الرحمان فردا، وأنه مؤاخَذ على ما يقول، وأن هذا القول إن كان كذبا سيكبّ صاحبه “على خشمه” في النار، ولا أقول منخره مخافة عدم الفهم. 

وأما عن مساهمة الإمام الإبراهيمي الوطنية قبل الثورة وفي أثنائها وما بعدها ضد من وُصف في بيان التصحيح الثوري في 19 جوان بـ”الدكتاتورية” فيعلمه الأبعدون قبل الأقربين الذين سلمت صدورهم وقلوبهم من الحسد والحقد، وسلمت ألسنتهم من الكذب والبهتان، وقد اعترف بذلك حتى أعداء الجزائر من الفرنسيين، الذين لا يفرق الإمام بينهم، فكلهم – في رأيه – سواء… شماليين كانوا أم يمينيين أم وسطا. 

“إن من قال هذا الكلام في باريس– أي في متناول العدو الفرنسي– لا يكبر عليه أن يقول أخطر منه وهو في القاهرة، أو بغداد، أو دمشق، أو الرياض، أو الكويت، أو إسلام أباد… أي بعيدا عن أيدي فرنسا، وليرجع من أراد أن يعرف ويعلم إلى آثار الإمام الإبراهيمي، وشهادات “الرجال” فيه.”

وحتى لا أثقل على الأخ بلعيد بالاستشهادات التي تنسف دعواه، وتتعب عقله، وهو في أرذل العمر كما رأيناه في جنازة رضا مالك، حتى لا أفعل ذلك أعلمه أن جملة واحدة من كلام الإمام الإبراهيمي عند أولي النهى تزن جبلا، فعندما يقول الإمام الإبراهيمي في نهاية 1951 في باريس، أمام الوفود العربية والإسلامية “فهيهات أن نصفح عن باريس أو نصافحها…” لأنها “منبع شقائنا” وأن في الجزائر “لشبابا سينطق وسيتكلم بما يُخرس الاستعمار ويسوءه، وأن بعد اللسان لخطيبا صامتا هو السِّنان، وإننا لرجال، وإننا لأبناء رجال، وإننا لأحفاد رجال… وإن فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإن فينا لبقايا مدّخرة سيجليها الله إلى حين….” (آثار الإبراهيمي ج2.ص 466). إن من قال هذا الكلام في باريس– أي في متناول العدو الفرنسي– لا يكبر عليه أن يقول أخطر منه وهو في القاهرة، أو بغداد، أو دمشق، أو الرياض، أو الكويت، أو إسلام أباد… أي بعيدا عن أيدي فرنسا، وليرجع من أراد أن يعرف ويعلم إلى آثار الإمام الإبراهيمي، وشهادات “الرجال” فيه… 

أما الذين نزه الله ألسنتهم من البهتان، وصدورهم من الغل، فيقولون في الإمام الإبراهيمي ما قاله شاعر “غير هائم” في عالم عامل: 

المجد أنت، وأنت عز خالد   وجميل فضلك في البرية سائد. 

وأما ما زعمه الأخ سي بلعيد عن إعدام أعداد من الشهاب والبصائر فهو افتراء، وقد جُمعت أعدادهما من أول عدد إلى آخر عدد، ونُشرت، ولم يقل أهل الاختصاص في تاريخ صحافة الجزائر ما قاله سي بلعيد، الذي لم يسلم من لسانه إلا من رضي عنه… ليعلم الأخ سي بلعيد أن المسلمين المؤمنين – لأن من المسلمين من لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وآيتهم إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا – أنشأوا “علما”، لا يوجد عند غيرهم من الأمم سموه “علم الجرح والتعديل”، يوزن به الناس، فمن سلم من جروح “الكذب” و”داء الضرائر”، و”التزييف”، وما يصحب أرذل العمر، من سلم من ذلك عدل، وأُخذ كلامه مأخذ الجد، ومن “جرح” بكذبة – ولو كانت سمكة أفريل – أو توهّم… أو… أو رمى ما خرج من فمه، وم تقبل له شهادة أبدا… ورحم الله الشاعر الأندلسي القائل: 

ما كل ما قيل كما قيلا   فقد مارس الناس الأباطيلا 

أخشى أن يكون الأخ سي بلعيد ممن ينطبق عليهم قوله تعالى: “أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله”.

مقالات ذات صلة