عندما يلتحق العقلاء بالدهماء
من الطبيعي أن تساند الدهماء كل الحركات الاحتجاجية العنيفة والانقلابات العسكرية وغير العسكرية، وهذا لأن الدافع الرئيسي والمحرك الأساسي، إن لم نقل الأوحد لهذه الدهماء
-
هو الاندفاعية الهوجاء التي لا تنطلق، إلا من العواطف الجياشة البعيدة كل البعد عن العقل الهادئ بالضرورة وحسابات المنطق السليم بالضرورة كذلك، لكن أن يخرج علينا رجل لا يذكر اسمه إلا مقرونا بصفة الدكتور، ويقول إن انقلاب التاسع عشر جوان، الذي أنهى حكم الرئيس أحمد بن بلة كان في صالح الجزائر، فإنه لا يسع أي عاقل إلا التوقف للتأمل والتفكير بحثا عن الأسباب التي أوصلت دول العالم الثالث إلى الكوارث التي تعيشها الآن… وبالمناسبة الجزائر دولة من دول العالم الثالث.
-
لا شك أن مرحلة حكم الرئيس الراحل هواري، تبقى من أخصب مراحل الدولة الجزائرية المستقلة لحد الآن، غير أن الانقلاب يبقى انقلابا، والأحادية التي يفرزها الانقلاب تبقى بالضرورة مدانة، والدليل نظرة أبناء جزائر اليوم، لمرحلة الأحادية الحزبية، أما الذين يربطون مثل هذه المراحل في حياة الشعوب بالأشخاص، فإننا نقول لهم بأن الأحادية كانت ستنتهي حتما حتى ولو امتد العمر ببومدين إلى غاية الآن ولم يخلفه الرئيس الشاذلي بن جديد.
-
أما إذا كنا نعتقد بأننا نختلف عن بقية البشر ونبقى بعيدين عن رياح التعددية التي عصفت بالجميع، بغض النظر عن شكل هذه التعددية والقالب الذي تأخذه في هذه التجربة أو تلك، فإننا واهمون إن لم أقل بأننا مرضى… لقد أصبحت الأحادية منبوذة والانقلابات مرفوضة، والجزائر ألغت من أعيادها الوطنية الرسمية ذكرى “التصحيح الثوري” ولأحمد طالب أن يبقى متغنيا به.
-
لا شك أن دافع الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي للتغني بانقلاب التاسع عشر جوان، هو الضغائن التي يحملها للرئيس أحمد بن بلة، وهي ضغائن شخصية لا تمت لثقافة الدولة بشيء، فهل يعقل أن تتحكم الضغائن والأحقاد في نفسية وثقافة شخص، سبق أن تبوأ عديدا من المناصب السامية في الدولة، منها وزارة الثقافة ولا نقول الخارجية… يبدو أن المآسي التي تتخبط فيها الجزائر لها ما يبررها.