الرأي

عندما يلحق “المعمداني” عزمي بشارة نسب داعش لـ “دين البداوة”

حبيب راشدين
  • 5446
  • 44

بعد شهور طويلة ابتعد فيها عن الأضواء، اقترنت مع بداية انتكاسة الربيع العربي الذي كان احد أشهر عرابيه مع الصهيوني بيرنار هنري ليفي، عاد “المفكر العربي الكبير” عزمي بشارة، ليطل علينا وهو متمسحا بعباءة الأستاذ المعلم، وقد انبرى لتصنيف مخالفيه من المفكرين العرب “بالبلادة وخفة العقل” بعد أن ادعى بعضهم “أن داعش صناعة أمريكية” قبل أن يلحق نسب “داعش” بمن وصفهم بـأتباع “دين البداوة” في اختصار مفضوح يحمل “سلفية الخليج” على الأقل الجزء الوراثي من جينوم “داعش” الإجرامي، تكون قد عدلته بالشراكة، السلوك الاستبدادية للبعث العراقي والسوري، والتزاوج بين الفكر الديني والسياسي، وفشل الدولة الوطنية والقومية والدينية والإثنية.

تلكم كانت بأمانة مع بعض التصرف، خلاصة مقالة هذا المفكر العربي المسيحي الفلسطيني، صدرت له تحت عنوان مرتبك:  من يقف خلف داعش؟ سؤال عقيم” وكأنه يحجر منذ العنوان على العقل العربي، لا يريده أن يسأل عن موطن الصناعة والتصدير، ليستأثر هو وحده بالسؤال وقد وصفه بـ “العقيم” ويكون الجواب الأوحد ما يستنبطه “العقل العربي الوحيد المستنير” القادر على الإحاطة  بظاهرة “داعش” كـ “ظاهرة اجتماعية مركبة” ما كان لهلاري كلينتن أن تدعي له نسبا أمريكيا، أو يحق للمفكرين العرب النظر إلى الظاهرة من زاوية المؤامرة، أو “اتهام الخصم بأنه مصدر كل شر” أو الخلط بين المستفيد من الشر وبين مصنع الشر، بين الوالد وما ولد، وبين الشاطر في استثمار ما يقترفه الولد الجانح.

فالسيد بشارة لا ينفي، لا عن أمريكا، ولا عن بقية القوى الإقليمية العابثة بالعرب، تهمة الانتفاع من “داعش” وإن لم يدنه بكلمة، وقد برأهم من تهمة الأبوة، أو التصنيع، والتغليف، والشحن، لبضاعة فاسدة، لم يكن بوسعه أن يسوق لها كما سوق من قبل لنظائرها في ليبيا وسورية، حين كان يصف “أكلي لحم البشر” من ثوار النيتو في ليبيا وسورية بـ “الثوار” على مدار الساعة على شاشة الجزيرة، ويتناوب مع صفوت الزيات والقرضاوي، والصهيوني بيرنار لفي، على قصف العقل العربي، وسحقه بصخب ميادين التحرير، وملاحم ثوار النيتو.

آكلات لحوم البشر من “ثوار” عزمي بشارة

سوف أتفق ابتداء مع عزمي بشارة على أنه ” لا السلفية الجهادية ولدت اليوم ولا نسختها الداعشية ـ كما يقول ـ  وليدة السنوات الثلاث الماضية” وهو محق، بل يكون ذلك منه إشهاد على أن “آكلي لحوم البشر” من ثوار النيتو في ليبيا وسورية، هم فروع تفتحت من أصل واحد، وهو لا يستطيع أن ينكر من صنع، وسلح، ودعم سياسيا وعسكريا تلك المجاميع الداعشية البربرية، ولعله إنما أراد ـ وهو ينفي التهمة عن أمريكا ـ إبعاد تهمة الشراكة عن نفسه، وعن الأطراف التي وظفته لتصنيع خطاب حديث، جيد التغليف، يتستر على بربرية دواعش ليبيا وسورية.

 لم نكن بحاجة إلى اعترافات وزيرة الخارجية الأمريكية بمسؤولية الولايات المتحدة في صناعة “داعش” ولا في صناعة القاعدة من قبل، إلا إذا كان عزمي بشارة إنما يريد تمرير نوع من الوشاية الناعمة” بالوزيرة الأمريكية السابقة لدى المؤسسات الأمنية والقضائية الأمريكية، وهذا حقه، لكنا نعلم من سلوك هذه المجاميع أكثر من قرينة تدلنا على مصدر التصنيع، فـ”داعش” بلا ريب هي وريثة قاعدة ألزرقاوي، وبشارة يعلم من صنع ألزرقاوي وقاعدته، وقد كانت طوال السنوات السبع الماضية تُحرك تحت عنوان “دولة الإسلام في بلاد الرافدين” كأداة لإفساد وتشويه صورة المقاومة العراقية الشريفة، والتمكين للتقسيم الطائفي الذي صنعه المحتل الأمريكي، قبل أن تُؤمر بترحيل جزء من أعمالها الإجرامية إلى سورية، ليس لدعم شقيقاتها من النصرة ومشتقاتها من كتائب الثوار السوريين، ولكن لمنح الغطاء والذريعة لإدارة أمريكية، كان همها الوحيد في سورية إضعاف الدولة، وإن أمكن تجديد صناعة حالة من “الا ـ دولة” مؤهلة لاستقطاب المجاميع الداعشية كما يحصل في ليبيا.

داعش بنت فراش “دين البداوة”

ولأن السيد عزمي بشارة مفكر عقلاني جدا، يعلم أن نفي التهمة عن أمريكا يحتاج إلى توثيق النسب لغيرها، فقد اجتهد المفكر العربي الكبير” كما تصفه الجزية لإثبات أكثر من أب لبنت الفراش “داعش” على طريقة العرب في الجاهلية، حيث قال: “لقد عرفت بلدان عربية إقامة الحدود بقطع الرؤوس حتى فترة قصيرة، كما عرفت الرجم، وعرفت بلدان أخرى ذبح الجيران بالسكاكين قبل نشوء داعش بفترة طويلة، وعرف غيرها التعذيب الوحشي في السجون، والتحول إلى تكفير المجتمع، واللجوء إلى السلاح مرورا بالصراع مع الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، والاستبداد الذي يتخذ منحى طائفيا في صنع الولاءات”

 فهؤلاء كما ترى سبعة آباء ادعى لهم عزمي بشارة الأبوة المشتركة لـ “داعش” حتى وإن كان رجح حظوظ من وصفه بـ”دين البداوة” الذي يقيم الحدود الشرعية. وكان يحق لنا ـ وفق هذا المنطق ـ إن ننسب أبوة “داعش” لأمريكا، لو أن الوحوش من حشاشيها في ليبيا وسورية والعراق كانوا يعدمون خصومهم بالكرسي الكهربائي، أو بالشنق، أو بحقنهم بالسم، وهي طقوس إقامة “الحدود” في غرب عزمي بشارة المتمدن، لكن ما دامت “داعش” تذبح، وتجلد، وترجم، فلا جدال عند بشارة، أن الأب هو “دين البداوة” حتى يعفى نفسه من عبارة ” دين الإسلام” من بابا “تقية مسيحية” كنت أجهلها.

تعميد ابن الزنا في إنجيل بشارة عزمي

أعلم أن السيد عزمي بشارة ولد في عائلة عربية مسيحية، وقد درس في المدرسة المعمدانية  في الناصرة، لأجل ذلك لن ألزمه بما يلزم به أي مفكر عربي مسلم يدعي “أن تطبيق الحدود الشرعية” هو مفرخة لـ “داعش” من قبل ومن بعد، لكنه ملزم كمثقف عربي بمعرفة موقف الإسلام من “ولد الزنا” وموقف عرب الجاهلية من منتج نكاح الاستبضاع، ونكاح الرهط، وولد ذوات الرايات” من البغايا.

وحيث أن “داعش” هي ـ كما وصفها عزمي بشارة ـ بنت زنا بالضرورة وقد نسبها لأكثر من أب، فإن “الولد للفراش” كما جاء في الحديث الشريف، لأنه كما يقول الفقهاء لا يحتاج إلى تقدير، والفراش عند العرب حسب قول اللغوي ابن الإعرابي يعبر به عن الزوج، وأنه لا يمكن حمل الخبر على كل واطئ، بل المراد من له الاختصاص بالوطء كالزوج، وحيث الأمر كذلك فإن داعش” ولدت في فراش المحتل الأمريكي، وقد جاء التبني صريحا على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة.

ولأن عزمي بشارة عربي، دارس لتاريخ عرب الجاهلية، فإنه بلا شك أعلم مني بنكاحهم، وقد كان على أربعة أنحاء: نكاح منها كنكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.

ونكاح ثالث، يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت حملها، أرسلت إليهم، فتقول لهم: “قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان” فتسمي من أحبت منهم باسمه،  فيلحق به ولدها. ونكاح رابع، يجتمع أناس كثر، فلا تمتنع البغايا ممن جاءها، وكن ينصبن على أبوابهن رايات يكنّ علمًا لمن أرادهن فيدخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها، اجتمعوا لها، ودعوا القافة، ثم ألحقوا الولد بالذي يستقر عليه الخبير.

الصناعة دليل على الصانع

ولك أيها “المفكر العربي الكبير” أن تتخير لـ “داعش” نسبا بين نكاح الاستبضاع، أو نكاح الرهط، أو هي ولد لـ “ذوات الرايات”. فقد يكون لمن تصفهم بأتباع ” دين البداوة” نصيب من الأبوة من باب الاستبضاع، يكون قد دعاهم إليه السيد الأمريكي، وقد أراد خصالا للولد لم تكن  حاضرة في جيناته، أو كان شريكا مع الرهط، فمن غيره يقوى على ادعاء الأبوة، أو كانت “داعش” بنت ذوات الرايات، وفي هذه نكون أنت، وأنا، ومن وصفتهم بـ “البلادة و خفة العقل” من المفكرين العرب، نكون مطالبين بالاحتكام إلى خبرة “القافة” ثم ننظر في سمات وسلوك هذا الوحش، أهي أقرب لسلوك من وصفهم بعض أحبائك بالرخويات من عرب الخليج؟ أم أن الصنعة دالة على الصانع، وأن من أباد في ثوان معدودة أكثر من نصف مليون ياباني في هيروشيما ونغساكي، وقتل مليونا ونصف مليون فيتنامي، ومثله من العراقيين والأفغان، هو أحق من غيره ادعاء أبوة هذا الوحش البربري داعش؟ 

مقالات ذات صلة