عن إدراج الأمازيغية في المدرسة
تغيّر الواقعُ اللغوي في الجزائر إثر إدراج الأمازيغية في المدرسة ابتداءً من سبتمبر 1996، وإنشاء المحافظة السامية للغة الأمازيغية، ثم اعتبارها لغة وطنية بموجب التعديل الدستوري في 2002.
واقتضى ذلك التعديل الدستوري إجراء تعديلات مماثلة على مستوى النصوص الناظمة للقطاع التربوي لمست أمرية 1976 (بموجب التعديل الدستوري في 2002) بإضافة المواد:
“المادة 2” رسالة النظام التربوي في إطار المكونات الأساسية لهوية الشعب الجزائري والتي هي الإسلام والعروبة والأمازيغية.
“المادة 8 مكرر: يدرج تعليم تمازيغت، لغة وطنية في نشاطات الإيقاظ و/ أو كمادة في النظام التربوي.
تعمل الدولة على ترقية وتطوير تعليم الأمازيغية في كل تنوُّعاتها اللغوية المستعمَلة على التراب الوطني، برصد الوسائل التنظيمية والتربوية الضرورية للاستجابة لطلب هذا التعليم في التراب الوطني”.
المادة 8 مكرر 1: يتكفَّل بالبُعد الثقافي الأمازيغي في برامج تعليم العلوم الاجتماعية والإنسانية في كل مستويات النظام التربوي”.
وأيضا القانون التوجيهي للتربية المؤرَّخ في 2008 والذي حل محل أمرية 1976، ونصَّ في المادة 2 الفقرة الثانية على: (تقوية الوعي الفردي والجماعي بالهوية الوطنية، باعتباره وثاق الانسجام الاجتماعي وذلك بترقية القيم المتصلة بالإسلام والعروبة والأمازيغية).
عندي –وأنا أتحدّث اللسان الشاوي– أن الحرف العربي هو الوعاء الحقيقي للغة الأمازيغية، وليس الحرف اللاتيني، فقواعد الصرف بينهما تكاد تتطابق من حيث وجود (تاء التأنيث، نون الجمع للمتكلم، الياء للغائب) على سبيل المثال، كما أن منطوق الحروف متماثل تماما، فالعربية التي تعرف بلغة الضاد –الذي تتميز به- لها صنوٌ في الأمازيغية التي تحتوي هذا الحرف أيضا.
وفي المادة 4 الفقرة السادسة: (ترقية تعليم اللغة الأمازيغية وتوسيعه)، كما في المادة 34: (يدرج تعليم اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية، من أجل الاستجابة للطلب المعبَّر عنه عبر التراب الوطني).
وبموجب التعديل الدستوري في 2020 الذي حمل في طيِّه ترسيم اللغة الأمازيغية، بالنص في مادته الرابعة على (تمازيغت هي كذلك لغة وطنية ورسمية)، سيتطور وضع هذه اللغة، واضعا على عاتق الدولة واجب (.. تطويرها بكل تنوُّعاتها اللسانية المستعمَلة عبر التراب الوطني) من خلال (مَجْمع جزائري للغة تمازيغت يوضع لدى رئيس الجمهورية)، استنادا إلى (أشغال الخبراء).
فما هي إفرازات هذا الترسيم في واقع المدرسة؟
بغضّ النظر عن الإشكاليات التطبيقية التي قد تطرحها مساواة هذه اللغة على مستوى النص الدستوري– القانوني باللغة العربية، باعتبارهما معًا لغتين رسميتين ووطنيتين، فإن العوائق الميدانية المتعلقة بتدريسها ليست أمرا هيِّنا، وتفرض تحديات حقيقية مستقاة من واقع هذه اللغة في المدرسة، ويمكن إجمالها في:
1. على مستوى الأبجدية، بأي حرف تُكتب؟ لو تناولنا اختبار مادة الأمازيغية في امتحان البكالوريا على سبيل المثال، سنكتشف أن الممتحَن مخيَّرٌ بين ثلاثة نصوص تختلف في ما بينها باختلاف الحرف الذي كتبت به (اللاتيني، العربي، التيفناغ).. ما يعني عدم تجاوز عقدة الحرف الذي يجري التوافق عليه لكتابة هذه اللغة.
ميدانيا، ثمة أمرٌ واقع يجري فرضه وهو تغليب الحرف اللاتيني على حساب الحرفين الباقيين، وبما أن الدستور قد أوكل هذه المهمة للتنظيم وبموجب قانون عضوي، فالراجح عندي أن القائمين على دسترة هذه اللغة قد حسموا أمرهم مسبقا، وليس لديهم ما يثنيهم عن اختيار الحرف اللاتيني، الذي لا يتّسق لسانيا مع أرومة هذه اللغة، التي تنتمي إلى عائلة اللغات الحامية– السامية.
وعندي –وأنا أتحدّث اللسان الشاوي– أن الحرف العربي هو الوعاءُ الحقيقي لهذه اللغة، وليس الحرف اللاتيني، فقواعد الصرف بينهما تكاد تتطابق من حيث وجود (تاء التأنيث، نون الجمع للمتكلم، الياء للغائب) على سبيل المثال، كما أن منطوق الحروف متماثل تماما، فالعربية التي تُعرف بلغة الضاد –الذي تتميز به- لها صنوٌ في الأمازيغية التي تحتوي هذا الحرف أيضا.
تقديري أن أي تجاوز لهذه الحقيقة اللغوية، لا يعكس سوى الرغبة في تكريس واقع مناهض للغة العربية، بخلفية أيديولوجية مكشوفة، وللاستدلال على حالة من حالات هذا التجاوز نشير إلى أن كُتب هذه اللغة ومناهج تدريسها يقدَّمان بالأحرف اللاتينية وليس التيفنياغ.
2 . أشار الدستور إلى التنوُّع اللساني لهذه اللغة، وهذا إقرارٌ بوجود عدة لهجات منفصلة عن بعضها بعض على متداد جغرافيا الجزائر (الشاوية، الشلحية، التارقية، الميزابية، القبائلية…).. وقد نلمس هذا التمايز حتى على المستوى المحلي لكلِّ لهجة، ومن المتعذَّر صهرُها في كيان لساني واحد، وقد اختبرتُ الحديث مع الناطقين بها فبدا الاختلافُ واضحا.
غير أن ثمة من يقدِّم –بنفوذه القوي- لهجة واحدة باعتبارها “اللسان الناطق” باسم هذه اللهجات جميعا، بدعوى احتوائها على “رصيد إبداعي ولغوي” من دون باقي اللهجات، وفي هذا انتقاصٌ من قيمة هذه اللهجات التي هي بمثابة “اللغات الأم” التي لا يمكن التنازل عنها أو مقايضتها بالصمت والقبول بأمر واقع لا يمكن تبريره، وفي ضوء هذا التعدد اللساني نسأل: أي لغة رسمية يمكن اعتمادها؟
3. العزوف عن دراسة هذه اللغة، فما بدا في البداية نوعا من الإقبال على دراستها في مختلف المناطق الأمازيغية، تراجع لاحقا، ولم يعد بالإمكان إحصاء أيّ قسم في أغلب المؤسسات التربوية، وشكَّل طلب الإعفاء منها عقدة اضطرَّت الجهة الوصية إلى مراسلة المؤسسات التربوية من أجل حصر “معطيات وتوضيحات حول أسباب رفض التلاميذ دراسة اللغة الأمازيغية والحلول المقترحة” كما ورد في المراسلة.
4 . ماذا يعني إلزام تلميذ في الابتدائي بدراسة أربع لغات معا (العربية، الأمازيغية، الفرنسية، الإنجليزية)؟ فمهما تكن المبرّرات المعروضة، من حيث قدرة التلميذ على الاستيعاب والتعامل مع أكثر من لغة في هذه المرحلة العمرية، فإن فرض هذا العدد من اللغات على طفل لا يزال متعلقا بلغة الأم، يعني الحكم عليه بالإعدام اللغوي، إذ سيخسر كل شيء، ولن يصل إلى استيعاب لغة بعينها، ولتتحوّل العملية برمّتها إلى نوع من الابتزاز وتغذية الشوفينية اللغوية.
5 . في موضوع اللغة تحديدا، في المدرسة كما خارجها، لا يمكن فصل عنصر الهوية الوطنية في ميدان التربية عن المعطى السياسي، فالدولة ممثلة في مؤسساتها الرسمية مطالَبة بالتعاطي مع هذا الأمر بجدِّية وحذر، فالوحدة الوطنية التي لا تجوز المساومة عليها هي أساس تقدير ما يمكن قبوله أو رفضه، ولا معنى لأي طرح يتم تسويقه تحت طائلة العصيان أو حقوق الإنسان.
والجزائريون بحاجة إلى ما يجمعهم لا إلى ما يشتِّت صفهم، والاحتجاج بالحق في الاختلاف والتعدّد الثقافي والعرقي لا قيمة له، إذا كان ذلك كله مجرد توطئة لفرض انعزالية قد تنتهي يوما ما بمطالب أشد رعونة، فبناء حواجز لغوية بين أبناء الشعب الواحد يعني بعبارة واحدة التمهيد للفصل بينهم.
وسيعني هذا بالضرورة أن تبقى اللغة العربية بمثابة اللسان الجامع بين الجزائريين كلهم، مع التفكير في طرق ترقية الأمازيغية.
للمقالة مراجع.