عن احتفالية عيد الاستقلال في تونس
من المناسبات التاريخية الجزائرية التي تستذكر فيها أمجاد الماضي وتستشرف تطلعات المستقبل، تلك الاحتفائية التي أقامتها السفارة الجزائرية بتونس احتفاء بعيد الاستقلال والشباب (5 جويلية 1960- 5 جويلية 2024) وتخليدا للذكرى الثالثة والخمسين لانتصار الثورة الجزائرية وتكريس سيادة الشعب الجزائري.
لقد كانت هذه التظاهرة يومي الخامس والسادس جويلية 2024 تحمل حدثا مميزا جمع بين الطابع الرسمي والمظهر الشعبي والبعد التاريخي والجانب العلمي، فخصِّص اليوم الأول للفاعليات الشعبية التي احتضنها مقر القنصلية الجزائرية العامة بتونس بإشراف القنصل العامّ السيد الفاضل الأستاذ نصر الدين لعرابة الذي ألقى كلمة بالمناسبة في الحديقة العامة للقنصلية، بعد عزف النشيد الوطني ورفع الراية الجزائرية، ليلي بعد ذلك توزيع شهادات على المشاركين في مسابقة الثقافية جمعت العديد من التلاميذ والطلاب، في مشهد عميق ويحفر في ذاكرة هؤلاء الفتية.
أما اليوم الثاني للاحتفائية، الموافق للسادس جويلية، فقد غلب عليه الطابع العلمي واستحضار التاريخ، واتخذ شكل مهرجان علمي بدار الثقافة التونسية، حيث تم استقبال المدعوين من الجزائر، وهم الأساتذة ناصر الذين سعيدوني، وجمال يحياوي، ومراد أوعبّاس، وحضر من الأشقاء التونسيين جمعٌ من المؤرخين والمناضلين والكتّاب والصحفيين كان في مقدمتهم الأستاذ الفاضل والمؤرخ المتميز عبد الجليل التميمي، والمناضل التونسي الأزهر القاسمي الذي كانت له مشاركة في النضال التحرري التونسي الجزائري، وكان شاهدا على أحداث بنزرت (1961) التي سجّل وقائعها في مذكراته مذكرات مقاومة ثائر صغير تونس (2022)، والسيد مسعود بن جمعة صاحب مقهى الدينار بمدينة تونس العتيقة الذي سخّر مقهاه لخدمة الثورة الجزائرية، وحوّله بعد ساعات دوام العمل إلى مكان يلتقي فيه المجاهدون الجزائريون بتونس أثناء سنوات الثورة، بالإضافة إلى الشاعرة الجزائرية التونسية زبيدة بشير صاحبة ديوان “حنين” (تونس 1968)، والصحفي الجزائري نصر الدين بن حديد الذي عوّدنا على مقالاته عن الجزائر في الصحافة التونسية.
اليوم الثاني من الاحتفالية التي رعاها سفير الجزائر في تونس عزوز باعلال، استُهلّ بعد مراسيم الاستماع الى النشيدين الجزائري والتونسي، بكلمة جامعة للقنصل العام للجزائر في تونس، نصر الدين لعرابة، الذي أجاد في استعراض متانة العلاقات التاريخية بين الجزائر وتونس، وحث على أهمية استحضار التجربة المثالية للشعب الجزائري في مثل هذه المناسبات، بعدها عُرض فيلمٌ وثائقي للصحفي والمخرج الأستاذ مراد أوعبّاس عن احتفالية الاستقلال في شهر جويلية 1962، إذ تلاحمت طلائع الكشافة الجزائرية وعناصر جيش التحرير الوطني ومناضلي جبهة التحرير الوطني، فكان الفيلم رائعا موضوعا وإخراجا وتقنية، ترك أثرا عميقا في أنفس الحاضرين، خاصة من خلال تلك الكلمات الصادقة للأشخاص الذين عايشوا أجواء فرحة الشعب الجزائري العارمة بالاستقلال، وهذا ما يثير التساؤل حول عدم عرض هذا الفيلم في التلفزيون الجزائري مع أنه أنجز في فترة سابقة (2013) اعتمادا على وثائق أصيلة لفريق المصورين الجزائريين والأجانب برئاسة مسؤول السينما والتصوير أثناء الثورة بتونس المجاهد بودوح السبتي ومرافقة المجاهد المصور محمود حمودة، فجاءت الصور تسجيلا حيا ومؤثرا لأحداث فرحة الاستقلال الخالدة (صائفة 1962)، ولعل أثر الفيلم على الحضور هو الذي جعل صاحبه الصحفي مراد أوعباس يمتنع عن التعليق بعدما لمسه من تأثر واندماج للحاضرين مع المشاهد والكلمات التي تضمّنها الفيلم.
بعدها أحيلت الكلمة للأستاذين عبد الجليل التميمي وناصر الدين سعيدوني، وهما شخصيتان اهتمّتا بكتابة التاريخ المغاربي، وخاصة ما يهم القارة العثمانية منه فركّز الأستاذ التميمي على تجربته في البحث وإسهامه في تطوير الدراسات التاريخية المغاربية، ثم أفصح عن دوافع اهتمامه بتاريخ الجزائر، وأبرز إسهامه في تشجيع الجيل الجديد من المؤرخين، وجهوده من أجل ترقية البحث التاريخي على المستوى العربي، خاصة في مجال الوثائق العثمانية والدراسات الموريسكية والقضايا الوطنية، مؤكِّدا على مكانة الذاكرة التي أصبحت من أبرز اهتمامات المؤرخين ومحور نشاطات العلاقات الثقافية الجزائرية التونسية. وقد أبدى الأستاذ التميمي -المحتفى به بالمناسبة- اعتزازه بمبادرة السفارة الجزائرية بتكريمه في عيد استقلال الجزائر، معربا له عن امتنانه وشكره على جهوده في خدمة التاريخ الجزائري.
كلمتي في هذه الفعالية، أنا الدكتور ناصر الدين سعيدوني، جمعت بين إحياء الذاكرة والتطلع للمستقبل، مركز على إشكالية البناء التاريخي للجزائر انطلاقا من الخلفية التاريخية وانتهاء برسم الآفاق المستقبلية، التعريف بدور الجزائر المحوري في التاريخ المغاري منذ الفتح الإسلامي، وأثناء فترة الحكم الفاطمي، وتأسيس دولة الموحدين وتطور حركة الجهاد البحري، واستكمال الجزائر لشخصيتها السياسية وقيامها بدور مؤثر في أحداث التاريخ المغاربي، ودور المقاومة الجزائرية، وثورة التحرير لتنتهي إلى تلمس آفاق المستقبل الذي يبشر يتحول الجزائر إلى قوة إقليمية مؤثرة في حوارها المغاربي ومحيطها العربي وعمقها الإفريقي وبعدها الإنساني، لكونها مؤهَّلة لتحقيق التنمية والتطور المنشود وفاء الروح وقيم الثورة الجزائرية وبناء التلاحم والتعاون المغاربي، خاصة تلك الروابط الوثيقة مع شقيقتها تونس، فالجزائر التي طبعتها الثورة وشكَّلت شخصيتها المعاصرة بشكل مستديم، تخوض اليوم معركة التحرر والتنمية التي أساسها المواطن ومنطلقها التنمية وهدفها صيانة المصالح الوطنية والروابط الأخوية مع الأشقاء.
هذا ما يثير التساؤل حول عدم عرض هذا الفيلم في التلفزيون الجزائري مع أنه أنجز في فترة سابقة (2013) اعتمادا على وثائق أصيلة لفريق المصورين الجزائريين والأجانب برئاسة مسؤول السينما والتصوير أثناء الثورة بتونس المجاهد بودوح السبتي ومرافقة المجاهد المصور محمود حمودة، فجاءت الصور تسجيلا حيا ومؤثرا لأحداث فرحة الاستقلال الخالدة (صائفة 1962).
وقد أثرى منشط هذه الفعالية، الأستاذ المؤرخ جمال يحياوي عضو اللجنة المشتركة المعالجة ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا والمدير السابق للمركز الوطني الجزائري للبحث في تاريخ الثورة، بتعليقاته الهادفة ونجح في خلق جو من التفاعل الحيوي والاندماج النفسي. لتتم بعد ذلك التكريمات التي نالت اعجابا لافتا وخلقت حالة من الرضى على هذه الخطوة المباركة التي ساهم في انجازها الدبلوماسي الفاضل علي قادري والصحافي عثمان لحياني، قبل أن تختتم هذه الاحتفالية اختتمت بأناشيد وطنية ناجحة ومؤثرة وهادفة أحيت تقاليد الدبلوماسية الجزائرية المقسمة بالفاعلية، والحريصة على التواصل مع الأشقاء والتأسيس لعلاقات أخوية قوامها التعاون واعية مع رفقاء الكفاح والنضال لخدمة القضية الوطنية في كل من الجزائر وتونس، والتي سبق ذكر بعض منها في هذه الكلمة.
لاشك ان هذه الاحتفالية تركت أثرا طيبا لدى المشاركين فكانت مبادرة استثنائية من حيث الموضوع والمشاركين والمنظمين، وهذا ما جعلها عملا دبلوماسيا هادفا أعاد للذاكرة فعالية السلك الدبلوماسي الجزائري أثناء ثورة التحرير، وذلك للاعتبارات التالية:
في مجال الذاكرة أحيت الاحتفالية أمجاد الجزائر ومآثر ثورة التحرير التي كلفت باستعادة السيادة الجزائرية وولادة الدولة الجزائرية المستقلة المعاصرة وريثة التاريخ الجزائري الضارب جذوره في أعماق التاريخ، كما تحيي ما رشح في الذاكرة الجزائرية من كفاح مرير قوامه الوحدة الوطنية، وأساسه الوعي الوطني، وهدفه تحقيق تنمية متكاملة وفتح آفاق التكامل والترابط على أساس المصالح على المستوى المغاربي والإفريقي والعربي، وفي هذا الإطار تأكدت روح التآلف والتواصل والترابط والاندماج الروحي بين الجزائر وتونس، انطلاقا من تفعيل الطاقات العلمية، خاصة في مجال التاريخ والذاكرة الوطنية.
وعلى مستوى النشاط الدبلوماسي الوطني، كانت الاحتفالية مثالا للفاعلية الدبلوماسية الجزائرية عندما يتوفر العنصر البشري الفاعل والظروف الملائمة والشخصيات ذات التأثير بعلمها وعملها ومواقفها، بعيدا عن المظاهر السطحية والسلوكيات الفردية والممارسات البيروقراطية.
ما وقفنا عليه في هذه الاحتفالية ينشر بمستقبل واعد للدبلوماسية الجزائرية التي لا تقل المعركة التي تخوضها أهمية عن عملية البناء الداخلي، فهي عمل اسباقي لا يتوقف لكسب الأصدقاء وإحباط الفخاخ وتوقع المعارك وربط العمل الدبلوماسي بفاعلية النشاط الشعبي، وهذا ما تنتظره مستقبلا في التظاهرات الاحتفالية والنشاطات الدبلوماسية التي أساسها التلاحم والاندماج في جهود البناء الوطني وقوامها التمسُّك بالمبادئ الإنسانية وقيم الحرية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وبناء التوافق انطلاقا من الروابط التاريخية والمصالح المشاركة والتطلعات الشعبية ضمانا للمستقبل ووصولا للسيادة والمصلحة الوطنية.