عن الإلغاء الأحادي الجانب للاتفاق الجزائري الفرنسي لعام 1968 1/3
في الوقت الذي يشهد فيه موضوع الهجرة عودة قوية في أوروبا وبشكل أكثر تحديدًا في فرنسا، إذ تبذل الحكومة قصارى جهدها منذ فبراير 2023 لحمل البرلمان على مناقشة مشروعها لـ”ضبط الهجرة وتحسين الاندماج” وتهدد باللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور الفرنسي لتجاوز التصويت البرلماني، لعدم وجود أغلبية مؤيدة، تتصاعد الأصوات داخل الطبقة السياسية الفرنسية لتنتقد وتطالب الحكومة بإلغاء -من جانب واحد- الاتفاق الجزائري الفرنسي المؤرخ 27 ديسمبر 1968 والذي يعدّ حجر الزاوية للعلاقات الجزائرية- الفرنسية.
إن الاستغلال السياسي والانتخابي لهذا الموضوع ليس جديدًا في حد ذاته، لاسيما في صفوف الأحزاب الأوروبية اليمينية واليمينية المتطرفة، الفرنسية بصفة خاصة، غير أن ما يميز الحملة الجارية حاليا في فرنسا هو التركيز غير المبرر لأتباع هذا التيار السياسي على اتفاق الهجرة الجزائري الفرنسي المؤرخ 27 ديسمبر 1968، والمتعلق بتنقل وتشغيل وإقامة المواطنين الجزائريين وعائلاتهم في فرنسا، ومن خلال نقض هذا الاتفاق، يعتقدون أنهم وجدوا الكأس المقدسة لتسوية قضية الهجرة في فرنسا.
قبل النظر في التجاوزات اللغوية والتكهُّنات القانونية لهؤلاء المدافعين عن جاليك فرانس “France gauloise” دعونا نتذكر بإيجاز أن استيطان المواطنين الجزائريين في فرنسا هو أولاً وقبل كل شيء نتيجة للسياسة الاستعمارية الفرنسية التي ضحّت مرارًا وتكرارًا بأرواح وممتلكات الجزائريين المطالبين بالدفاع عن بلد وقضية ليست ملكا لهم..
لإنعاش ذاكرة المناهضين لاتفاق 1968، نذكّرهم بأنه خلال الحرب العالمية الأولى، جنّدت فرنسا عددًا كبيرًا من “السكان الأصليينindigènes” من الجزائر للجبهة الحربية مثلما جنّدتهم للعمل في مصانع الأسلحة والمناجم والزراعة (نحو 80.000 عامل و175.000 جندي من بينهم 35 ألف قتيل أو مفقود و72 ألف جريح). ومع تراجع الاقتصاد الفرنسي إلى لا شيء، كانت الحقول والمناجم وورش العمل في الجزائر هي التي غذت المجهود الحربي الفرنسي وأنقذت فرنسا. في نهاية الحرب، وكدليل اعتراف، أرجعت فرنسا 250.000 عامل وجندي من المستعمرات إلى أوطانهم.
خلال الحرب العالمية الثانية، تمَّت دعوة الجزائر مرة أخرى للمساهمة بالرجال والموارد الاقتصادية في المجهود الحربي لفرنسا أولاً ثم في إعادة إعمار البلاد التي دمرتها سنوات الحرب. لقد ضحى الجزائريون بأرواحهم في خدمة فرنسا وظل آخرون معاقين مدى الحياة ولم يبق منهم في فرنسا إلا القليل هربًا من البؤس الكبير الذي كان ينتظرهم في بلدانهم الأصلية، وكذلك بناءً على طلب السلطات الفرنسية للمساهمة في الازدهار الاقتصادي والاجتماعي لفرنسا. وفي هذا السياق كتب المؤرخ جيرار نويريل Gérard Noiriel المتخصص في الهجرة إلى فرنسا، في كتاب له بعنوان “Le Creuset francais” أن المهاجرين، بمن فيهم الجزائريون، قد بنوا لفرنسا، منذ الحرب العالمية الثانية، 90٪ من طُرقها السريعة وآلة صناعية من سبعة، ومنزل من اثنين!
شهدت فترة ما بعد الحرب المعروفة باسم (Les Trente Glorieuses) فترة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لغالبية البلدان الصناعية بين عامي 1945 و1975 تضاعف عددُ الجزائريين العاملين في إعادة إعمار فرنسا وإنعاش اقتصادها بمقدار 33 مرة، ليتراوح العدد في نهاية عام 1948 ما بين 120.000 و130.000 شخص ليصل إلى 350.000 في عام 1962. تمثل اليوم الجالية الجزائرية الموجودة بصفة قانونية في فرنسا أكثر من 80٪ من 6 إلى 7 ملايين مغترب جزائري في العالم و12.7٪ من مجموع المهاجرين في فرنسا، فهي تمثل أول جالية أجنبية مقيمة في هذا البلد.
عند استقلال الجزائر، أسست اتفاقيات إيفيان في 19 مارس 1962 (إعلان المبادئ المتعلقة بالتعاون الاقتصادي والمالي) إطارًا جديدًا لتنقل وإقامة وتوظيف الجزائريين الذين أصبحوا مواطنين في دولة ذات سيادة. في الواقع، تنص هذه الاتفاقيات على أنه “باستثناء صدور قرار من المحكمة، فإن أي جزائري يحمل بطاقة هوية له الحرية في السفر بين الجزائر وفرنسا”، وتضيف أن “الرعايا الجزائريين المقيمين في فرنسا، وخاصة العمال الجزائريين المقيمين في فرنسا، سيتمتعون بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها المواطنون الفرنسيون، باستثناء الحقوق السياسية”.
ومن ثمة، فإن اتفاقيات إيفيان تعترف بحرية التنقل للجزائريين بين الجزائر وفرنسا وكذلك بمبدأ المساواة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية مع المواطنين الفرنسيين. غير أنه منذ السنوات الأولى للاستقلال، أعادت فرنسا النظر في هذا الإطار، الأمر الذي أدى بالضرورة بقيادة البلدين إلى مفاوضات جديدة أسفرت في 27 ديسمبر 1968، عن توقيع الاتفاق “المتعلق بتنقل وتوظيف وإقامة المواطنين الجزائريين وعائلاتهم في فرنسا”، والذي لا يزال ساري المفعول مع تعديله ثلاث مرات بملاحق في 22 ديسمبر 1985 و28 سبتمبر 1994 و11 جويلية 2001.
اتفق الطرفان على حصة قدرها 35.000 دخول سنوي للعمال الجزائريين، تم تخفيضها إلى 25.000 في عام 1972، وكان من المفترض أن يخلق الاتفاق نظامًا يختلف عن النظام العامّ لصالح المواطنين الجزائريين إذ أن أحد أحكامه الأساسية هو منح شهادة إقامة لمدة 10 سنوات بعد 3 سنوات فقط من الإقامة (المادة 7 مكرر) مقارنة بخمس سنوات بموجب القانون العادي، بشرط توافر الموارد الكافية.
في هذا السياق، اتفق الطرفان على حصة قدرها 35.000 دخول سنوي للعمال الجزائريين، تم تخفيضها إلى 25.000 في عام 1972، وكان من المفترض أن يخلق الاتفاق نظامًا يختلف عن النظام العامّ لصالح المواطنين الجزائريين إذ أن أحد أحكامه الأساسية هو منح شهادة إقامة لمدة 10 سنوات بعد 3 سنوات فقط من الإقامة (المادة 7 مكرر) مقارنة بخمس سنوات بموجب القانون العادي، بشرط توافر الموارد الكافية.
وبعد ما يقرب من عامين، شرعت الحكومة الجزائرية، في 24 فبراير 1971 (ذكرى تأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين في 24 فبراير 1956)، في تأميم قطاع المحروقات. إن التأميم، وهو عملٌ سيادي، زعزع الاحتكار الذي كانت تمارسه الشركات الفرنسية حتى ذلك الوقت في هذا القطاع.
وقد أثار ذلك غضب السلطات الفرنسية التي لوحت بالتهديدات بالانتقام الاقتصادي والمالي ضد الجزائر، الأمر الذي سمح لمجموعات صغيرة من اليمين المتطرف الفرنسي بالقيام بمطاردة حقيقية للجزائريين، مما أدى إلى اغتيال العديد من رعايانا في فرنسا وتعميم مناخ الخوف بين مواطنينا في هذا البلد، وأمام هذا الوضع، سارعت السلطات الجزائرية إلى الرد بشكل منطقي.
بعد هذا، قررت الجزائر، في 19 سبتمبر 1973، تعليق الهجرة الجزائرية إلى فرنسا فورًا، ريثما تكون “ظروف الأمن والكرامة مكفولة من قبل السلطات الفرنسية للمواطنين الجزائريين”.
في عام 1977، اقترح الرئيس الفرنسي على نظيره الجزائري إعادة 500.000 مواطن جزائري إلى بلادهم على مدى 5 سنوات. تم رفض الاقتراح على أساس أنه ينتهك أحكام اتفاقيات إيفيان وتلك الصادرة في 27 ديسمبر 1968.
منذ ذلك الحين، للاستجابة لتطور قضية الهجرة في فرنسا ورغبة الدولتين في أخذها في الاعتبار في علاقاتهما في هذا المجال، تم التوقيع على 3 ملاحق على اتفاق 1968.
ما هي، باختصار، أحكام هذه الاتفاقية التي يرى منتقدوها أنها باهظة ولا تتوافق مع تطور التشريعات المتعلقة بالهجرة في فرنسا؟
ومن ثمة، فإن تنقل وإقامة وعمل الجزائريين في فرنسا يحكمها الاتفاق الجزائري الفرنسي الموقع في 27 ديسمبر 1968 بصيغته المعدلة ونتيجة لذلك، يخضع الجزائريون لنظام خاص يختلف عن نظام القانون العام الذي لا يطبق عليهم، باستثناء الأحكام الإجرائية.
يتضمن الاتفاق المعدل على وجه الخصوص أحكامًا تتعلق بطبيعة وفترة صلاحية تصاريح الإقامة، بما في ذلك شهادة الإقامة لمدة سنة أو عشر سنوات، ولمّ شمل الأسرة، ووضع التجار والطلاب، والتحصيل القانوني (الكفالة)، حددت هذه الاتفاقية شرط دخول الجزائريين إلى الأراضي الفرنسية بإبراز جواز سفر من دون تأشيرة وهو ما سيكون مطلوباً فقط اعتباراً من عام 1986.
بمعنى آخر، أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب وحق اللجوء فيما يتعلق بتصاريح الإقامة الصادرة للأجانب بشكل عامّ وشروط إقامتهم، لا تنطبق على الجزائريين الخاضعين لاتفاق ديسمبر 1968.
باعتبار هذا الاتفاق اتفاقية دولية، فإنه يسمو على القانون الفرنسي. وفي الواقع، بموجب أحكام المادة 56 من الدستور الفرنسي “تتمتع المعاهدات أو الاتفاقات المصدَّق عليها أو الموافق عليها، منذ نشرها، بسلطة أعلى من سلطة القوانين، شريطة تطبيق كل اتفاقية أو معاهدة من قبل الطرف الآخر” الأمر الذي يجعلها بعيدًا عن متناول المشرِّع الفرنسي ويؤدي إلى عدم تطبيق القوانين الداخلية للهجرة في فرنسا على الجزائريين، ولاسيما قوانين 2003 و2006 و2018 التي تعدِّل مختلف وثائق وشروط إقامة المهاجر في فرنسا.
إذن، ما هي الحجج التي طرحها النقاد لتبرير معارضتهم المنهجية للاتفاق الذي يعتبرونه “شذوذًا أدى إلى انتهاك نظامنا القانوني”؟
بعض الأصوات، ومعظمها من اليمين المتطرف، لا تتردد في المطالبة بإلغائه من جانب واحد “مواءمة نظام الهجرة للجزائريين مع نظام القانون العامّ وهذا احتراماً لـ”المصلحة الوطنية” وكذا من أجل وقف المصدر الرئيسي للهجرة الجماعية.