عن تأثير الجوائز الأدبية ومعاييرها: حوار مع الباحث محمد داود
في هذا الحوار مع “الشروق أونلاين”، يعود الباحث محمد داود، أستاذ الأدب المقارن والترجمة بجامعة وهران، إلى تاريخ الجوائز الأدبية، ويتحدث عن دورها في مجال الكتابة، إضافة إلى المعايير التي تتبعها جوائز أدبية مثل “جائزة نوبل للأدب” و”جائزة غونكور” لتتويج الروايات.
الشروق أونلاين: بداية، ما هو دور الجوائز الأدبية في مجال الكتابة بصفة عامة وهذا سواء بالنسبة للكاتب أو القارئ أو الكتاب؟
محمد داود: في الأصل، كانت الجوائز تُوجَّه للأدباء لمساعدتهم ماديًا والإحسان إليهم لمواجهة صعوبات الحياة، مما يسمح لهم بالتفرغ للكتابة والتأليف، وهي تقاليد معروفة لدى كل الحضارات، حيث يتم تكريم الشّعراء بمنحهم الأموال والهدايا والهبات نظير قصائدهم التي تمدح السّلاطين والملوك، ولنا في التّراث العربي شعراء البلاط مثل المتنبي عند سيف الدّولة والأخطل عند بني أمية الذين كانت تُغدَق عليهم الهبات والأموال دون حساب. والجوائز الأدبية في شكلها الحالي، أي ترشيحَ الأعمال الأدبية بعدد معتبر ليتم تحكيم هذه النصوص من قبل لجنة خبراء وترتب في القائمة الطويلة أوّلًا ثم القائمة القصيرة ثانيا إلى أن يتم في النهاية اختيار عمل واحدٍ بالاتفاق والإجماع أو بالتصويت إذا وقع تباين في الحكم على الأعمال المرشحة للجائزة. ويحظى العمل الأدبي الفائز بطبع مجموعة كبيرة من النُّسخ حسب البلد، بالمئات أو بالآلاف، وقد يقترب عدد النسخ المطبوعة من الملايين، ذلكم حسب أهمية المقروئية في البلدان، كما يحظى العمل المتوّج بتغطية إعلامية كبيرة وتُنظَّم حوله الندوات والبيع بالتوقيع، يتحول من خلالها الأديب الفائز إلى نجم، وهذا يحفز القراء للإقبال على اقتناء العمل الفائز المعني بالتتويج، وتنتج عن ذلك ديناميكية ثقافية كبيرة، وتدفع هذه الأجواء الإحتفائية بالكتاب إلى تشجيع وتحفيز الأدباء على التنافس وإلى المزيد من إنتاج النُّصوصِ. كما يستفيد النّاشرون من مداخيل مادّية معتبَرة، بمعنى أن العملية لا تخلو من بُعدٍ تجاري، ودار النشر التي تحصل على تتويج أدبائها ستكسب موقعا كبيرا في الحقل الأدبي وتتحوّل إلى علامة مسجلة لها سمعة طيبة ووجاهة هائلة… إذا العملية تتدخل فيها عدّة أطراف وفعاليات مؤثرةٍ ولا تقتصر على الأديب صاحبِ النص.
في نظرك، هل يمكن لهذه الجوائز توجيه الكُتّاب نحو مواضيع معينةٍ أو زوايا معالجة محددة بهدف الظَّفر بتلك الجوائز؟
لا أعتقد أن المؤسسات المانحة للجوائز الأدبية تقوم بتوجيه الكُتّاب نحو مواضيع معينة، لأن عملها يبدأ بعد نشر الأعمال الأدبية، مثلًا إذا تم ترشيح عمل ما لجائزة سنة 2025، على النص أن يكون منشورا سنة 2024، بمعنى سنة قبل الدخول في السباق على التتويج، ما يعني أن المؤسسة المانحة للجائزة لا تتلقى الأعمال المشاركة في المسابقة إلاّ بعد مرور سنة كاملةٍ على نشرها، مِما يفقد المصداقية لفكرة توجيه الأدباء نحو موضوعات معينةٍ وزوايا الطرح من قِبَل المؤسسات المانحة… فالأديب حر في اختيار موضوعاته والزاوية التي يعالج من خلالها هذا الموضوع أو ذاك. قد يتأثر الأديب بالأحداث التي تحيط به ويختار موضوعًا ما يناسب الأوضاع الراهنة، مثل الحرب القائمة في أوكرانيا أو العدوان على إخواننا الفلسطينيين، أو قد يميل إلى موضوع اجتماعيٍ أو تاريخيٍ أو يكتب عن شخصية ما قد تكون تاريخية أوسياسيةً أو فنية أو بطلا من الأبطال في مجال الرياضة أو قد يكتب عن سيرته الذاتية، المهم الموضوعات متعددة والأديب يختار ما يريد، وفي حالات معينة قد يُقترح عليه موضوع ما من قبل القراء أو يتفق مع الناشر الذي يملك معه عقدا حول موضوعٍ ما، وقد تقوم مؤسسة ما (وزارة أو جهة أكاديمية أو جمعية ثقافية بنشر موضوع ما بغية تخليد ذكرى تاريخية أو حدث عظيم أو بهدف تناول موضوع حساسٍ قد يكون مرتبطا بوضع اجتماعي…)، لكن هذا النوع الأخير من الكتابة يدخل فيما يسمى تجاوزا بالمناقصات التي تحدث في عالم المال والأعمال، وقد نُسمِّي الجوائز المنبثقة عنها بالجوائز المناسباتيّة التي تزول بزوال المناسبة وقد تُكرَّر مثل هذه العروض كل عشر سنواتٍ، إن قليلا أو كثيرا، ولا يمكن الاعتداد بمثل هذه الجوائزِ، لكونها جاءت تحت الطلب، إلَّا إذا توفّر في النصوص الأدبية الفائزة مستوى عال من الجودة الفنية والإبداع. وقد يتم ترشيح عشرات بل مئات النصوص للجائزة، وكما أشرتُ أعلاه النصوص تمر عبر ثلاث مراحل وتستغرق عملية الاختيار سنة كاملةً، ليُتوَّج في النهاية نص واحدٌ. وتقوم اللّجان التي تعمل على التقييم والتحكيم بوضع معايير فنية وموضوعاتيةٍ تدور أساسا حول أسلوب الكتابة ورُقي اللّغة الأدبية وأصالة الموضوع، ويكون أعضاء اللّجان من بين النخبة الثقافيّة (أكاديميون، إعلاميون من ذوي الخبرة، أدباء لهم باع طويل في الإنتاج الأدبي وقدرٌ معتبر من الوجاهة).
بالنسبة لكبريات الجوائز الأدبية، هل تعتبر جودة العمل الأدبي المعيار الوحيد للتتويج، أم أن هناك اعتبارات أخرى؟
لنتحدث مثلا عن جائزة نوبل السويدية أو جائزة غونكور الفرنسية، حيث الفكرة السائدة في العالم العربي عمومًا أو في الجزائر بخاصة أن مثل هذه الجوائز تُمنح للأدباء الذين وقفوا موقفا معاديًا للقضايا التي تشغل شعوب المنطقة مثل القضية الفلسطينية أو ممن يتمرّدون على القيم المشتركة والمكرسة داخل هذه المجتمعات، والتي تدور في غالب الأحيان حول الالتزامات الدينية والأخلاقية، وهناك إشكالية حقيقية في هذا السياق، بمعنى إذا فاز كاتب عربي أو جزائريٌ بجائزة من هذه الجوائز التي تمنحها مؤسسات غربية فهو بالضرورة عميل للبلد المانح أو خائن لوطنه ولتكون فرنسا التي لنا معها تاريخ طويل، من الهيمنة الاستعمارية وأحقاد وعنصرية من قبل اليمين الفرنسي المتطرف وممن يحنون إلى الجزائر فرنسية، وإذا تم حرمان الأدباء العرب والجزائريين من هذه الجوائز يتردد القول بأن هذه المؤسسات عنصريةٌ وتكره العرب، إلاّ أن الأمور لا تتم بهذا الشكل. وتمتد تلك الأحكام إلى الجوائز التي تمنحها مؤسسات ثقافية خليجية، وهنا يتم الحكم على الفائزين بالانبطاح والتزلف والتطبيع إلى غير ذلك من الأحكام المسيئة، لكن المسكوت عنه في هذه العملية، يتمثل في الغيرة والحسد بين الأدباء أنفسهم أولا، فكل الأدباء دون استثناء يرغبون في التتويج والتكريم من قبل المؤسسات الثقافية والجمعيات. مع العلم أن المؤسسات المانحة للجوائز الأدبية مستقلة عن رجال السياسة ورجال المال والأعمال، على الأقل من الناحية المبدئية، وإن حدثت بعض التجاوزات والخروقات فهي تَعدٍّ صارخ على صلاحيات المؤسسة وصلاحيات لجنة المحكِّمين. والسؤال: من هو الأديب الذي يرفض الجوائز والأموال والشهرة؟ لم يحدث ذلك في تاريخ الأدب إلاّ قليلاً، نذكر في هذا السياق اسم “جان بول سارتر” الذي رفض جائزة نوبل لأسباب سياسيةٍ لأنه لم يكن يرغبُ أن يرتبط اسمه بالمال ويتحوّل إلى مؤسسة “سارتر صاحب جائزة نوبل” واشترط في ذلك أن تُمنَح للجماعة لا للفرد، أي لكل المثقفين الفرنسيين الذين وقعوا معه البيان المؤيد لاستقلال الجزائر المعروف ببيان 121. والجدير بالذكر أن هذا التفاعل حول هذا الاستحقاق ينتقل من الأدباء ليصل إلى القراء أو المهتمين وإلى المترددين على الشبكات الاجتماعية الذين قد لا يملكون علاقة بمثل هذه الموضوعاتِ وقد لا يقرأون ولا يهتمون بالأدب أصلاً، وإنما يهمهم الجدل الأيديولوجي وتصفية الحسابات مع أولئك الذين يعتقدون أنهم خصومٌ لهم، وقد يركب بعضهم الموجة لإحداث نوع من الصدى الإعلامي أو ما يسمى باللّغة الانجليزية (البوز)، لتعبئة متابعيهم حول ما يُقدمونه من أفكار، ويدخل ذلك ضمن الصراعات الأيديولوجية والسياسية حول السّلطة والمناصبِ وهي نوع من تصفية الحسابات وإقصاء المختلف، بإبراز الجوانب الأخلاقية والدينية والسياسية بالتخوين والتكفير، وقد يحكمون على الكِتاب من خلال العنوان أو من خلال تصريحات الكاتب السّابقة أو اللاّحقة، بينما النص الأدبيُ كلٌ متكامل وكل عنصر فيه له دور في البنية الدلالية للنص، ابتداء من العتبات، أي صفحة الغلاف والعنوان والتقديم والإهداء إلى آخر صفحةٍ من الكتاب، مرورا بجميع الصفحات التي يحتوي عليها الكتاب. أما عن المعايير التي تُوضع لمثل هذه الجوائز فهي في غالب الأحيان ذات طبع فنّيٍ، ولنأخذ معيارَ جائزة غونكور بوصفها مثلا أي “أحسن عمل تخييلي نُشر خلال السنة” وضمن هذا الطرح يتدخل أعضاء اللجنة المكلفة باختيار النص القابل للتتويج لمن يكتبون باللّغة الفرنسية وينشرون بدور نشر فرنسيةٍ، بِغَضِّ النظر عن جنسيتهم وأصولهم الثقافية، وتكون الأحكام حسب كل عضوٍ، وكل عضو يحكم من مُنطلق ما يملكه من ثقافة وخلفية نقديةٍ، وقد يختلف الأعضاء في التقييم الفني والموضوعاتيِّ، لكن بعد عدة جلسات للتّداول يتوصلون إلى انتقاء عمل مَا، وللتذكير أن الناشرَ هو الذي يُرشِّحُ العمل الذي يراه مناسبا لمثل هذه المسابقات، وما يهم الناشر هو الجانب التجاريُ، أي كم سيستفيد من مداخيل خلال ترشيحه لهذا العمل أو ذاك، ترشيحه لهذا الأديب أو ذاك. قد يحدث أن تتدخل العلاقات الشخصية والمعارف والصداقات والمحسوبية بين الناشرين وأعضاء لِجان التحكيم في إعطاء الأولوية لهذا الأديب أو ذاك، وهي ممارسات معروفةٌ في الحقل الثقافي الفرنسيِّ، لكنها تتم دون تدخل رجال السلطة أو أصحاب المال. وبطبيعة الحال يلعب الإعلام الثقافي دورا في الترويج لهذا العمل أو ذاك وفي توجيه القراء وحتى أعضاء لجان التحكيم نحو هذا العمل الأدبي أو ذاك وفق الأيديولوجية السائدة في هذا البلد، وهي أيديولوجية يمينية. ولعل مثل هذه الأجواء التنافسية بين الفاعلين من ناشرين وإعلاميين ومثقفين بصفة عامة هي التي دفعت إلى تأسيس قرابة ثلاثة آلاف جائزة أدبية في فرنسا، لكن أشهرها تبقى جائزة غونكور. أما عن جائزة نوبل فهي جائزة عالمية تمنح لمن يكتب باللغات الأوروبية، وعلى وجه الخصوص اللغة الإنجليزية أو اللغات الإسكندينافية أوما يُترجَم إليها من أعمال أدبيةٍ وأن تكون تلك الأعمال الأدبية معروفة لدى الإعلام السويدي، أو في الأوساط الأكاديمية والثقافية السويدية، وأن يكون الترشيح من قبل هيئات ثقافية أو أكاديمية لبلد ما (وزارة الثقافة، هيئة جامعية، اتحاد كتاب، ناقد معروف على المستوى الوطني والدولي…) ونيل الجائزة الأدبية لا علاقة له بالمواقف السياسية أو الأيديولوجية، ولا يهم لجنة التحكيم مع من تكون أو ضد من تكون، بمعنى أكاديمية مستقلة عن الهيئات السياسية والأيديولوجية، ومخطئ كل الخطأ من يُحاول التقرب من بعض اللّوبيات والكتابة عن قضاياها والانبطاح أمامها.
كيف تُقيّم واقع الجوائز الأدبية في الجزائر اليوم، وما السبل المتاحة للنهوض بها؟
الحديث عن الجوائز الأدبية في الجزائر يجرُّنا إلى الحديث عن الوضع الثقافي في بلادنا، ويدفعنا إلى طرح مجموعة من الأسئلة عن مكانة الأديب في بلادنا، عن غياب مؤسسات التثمين، عن قلة الجوائز الأدبية، عن أسباب اختفاء هذه الجوائز بعد مدة قصيرةٍ من الظهور، عن غياب المجلات الثقافية التي تهتم بما ينشر من نصوص أدبية، عن سبب ضعف المقرؤية في بلادنا، عن غياب النصوص الأدبية الجزائرية في البرامج التربوية الوطنية، وغيرها من الأسئلة… وبالحديث عن الجوائز الأدبية، لا يمكننا إبعاد هذه التساؤلات عن النقاش الثقافي، بسبب أن الساحة الثقافية والأدبية تفتقد إلى ديناميكية وتفاعلٍ سواء على مستوى الإعلام الثقافيِّ أو على مستوى المؤسسات التي تشتغل على الإنتاج الأدبي، فالركود والجمودُ هما ما يطبع حياتنا الثقافية، هذا بالرغم من وجود الكثير من الأدباء الذين يبدعون وينشرون نصوصا تحتاج إلى تقييم وإلى تثمين ونقد أدبي رصينٍ. فكل الجوائز الأدبية التي تم تأسيسها في السنوات السابقة قد اختفت لعدة أسبابٍ، مثل قلة الدّعم المادي وغياب الإمكانيات والرعاية المعنوية. مثلا جائزة الطاهر وطار، جائزة مالك حداد، جائزة مفدي زكريا، جائزة أبوليوس، كلها اختفت. وهناك جوائز تأسست مؤخرا ويشرف عليها بعض الأفراد (أذكر رابح خدوسي وعبد الرزاق بوكبة) أو بعض الجمعيات (جمعية أثار العابرين بمدينة وهران) هذا على سبيل التمثل لا الحصر، ولم تبق إلَّا جائزة محمد ديب التي تُشرف عليها “جمعية الدار الكبرى” بمدينة تلمسان وجائزة آسيا جبار التي تشرف عليها وزارة الإعلام والاتصال عن طريق المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار. ولعل ما نشأ من جدل إيديولوجيٍ حول هذه الجائزة خلال الصائفة الماضية يُبرز في طياته الضعف الكبير الذي وصلت إليه الثقافة الجزائرية، حيث نجد أن الكثير ممن شاركوا في النقاش لا علم لهم بمحتويات الكتاب ولا بالتوجهات الكبرى للكتابةِ الأدبيةِ مثل الواقعية ومختلف تيّاراتها، بل اكتفوا بالعنوان أو ما نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي من مقتطفات لا تليق بالمقام، مما يطرح أسئلةً أخرى أيضا مثل: هل يجوز أن نَذكر في النص الأدبي كل ما نعيشه في الواقع وفي يومياتنا المليئة بالبذاءة والعنفِ؟ كان الأجدر أن يدور النقاش حول مثل هذا السؤال، لكن لصفحات التواصل الاجتماعي رأي آخر. وبطبيعة الحال مثل هذه النقائص في بلدنا تدفع بالمبدعين على البحث عن التكريم في بلدان أخرى مثل دول الخليج لمن يكتبون باللغة العربية أو إلى فرنسا لمن يكتبون باللغة الفرنسية. هذا بالإضافة إلى أن الجوائز الأدبية في الجزائر، التي هي على قلتها غير شفافة وغامضة والمبلغ الذي يقدم للمبدع قليل بالمقارنة مع ما يُقدم له في البلدان العربية، والبلدان الخليجية على وجه الخصوص، لكن كل هذه الانتقاداتِ وهذه النقائص لا تُنقص من قيمة الجوائز الأدبية التي تُنشط الحياة الثقافية وتُشجع على النشر وتُحفز على المطالعة وترفع من نسبة المقروئية. على أية حالٍ، تبقى الجوائز الأدبية فعلًا إيجابيا للدفع بالأدب إلى الأمام، وللفاعلين الثقافيين دور كبيرٌ في الحفاظ على المبادرات القليلة وتدعيمها مادّيًا لكي لا تزول، والعملِ على إرساء تقاليد جديدة تجعل منها نشاطات ثابتة تستمر في الزمن مع إحاطتها بالرعاية المؤسساتية والقانونية لكي تكون مثالا للشفافية والمصداقية والاستقلالية والموضوعية.