الرأي

عهدٌ جديد بنظام أعيد تأهيلُه

حبيب راشدين
  • 2250
  • 0

مع المصادقة المرتقبة للبرلمان على التعديل الدستوري، يكون الرئيس قد أنجز ورشته الثانية التي ظلت معلقة منذ بداية العهدة الأولى بمآل تفكيك الدولة الموازية الدائرة في فلك الـ”دي آر آس” وبمسار توحيد مركز القيادة، والإخراج الآمن لمؤسسة الجيش من المشهد السياسي.

التعديل الدستوري المطروح على البرلمان لم يأت بجديد سوى أنه منح الشرعية الدستورية لنظام رئاسي بدأ العمل به منذ نهاية العهدة الثالثة، وتحديدا منذ انفراط عقد التحالف الرئاسي في شهر يناير من سنة 2012، وربما قبل ذلك بالنظر إلى العمل المنهجي الذي اتّبعه الرئيس في تقويض سلطات البرلمان، وتوسيع صلاحيات الرئيس.

غير أن الجهد الأكبر قد صُرف منذ بداية العهدة الرابعة على معالجة التوازنات المختلّة في قلب نظلم الحكم، مع وجود مركز موازٍ لصناعة القرار على مستوى “مديرية الأمن والاستعلامات” التي وُصفت بحق بمركز صناعة الملوك، وقد وظفها الرئيس في “تطهير” مؤسسة الجيش من أبرز “جنرالات يناير” واستعاد زمام المبادرة على مستوى أركان الجيش، ليستعين في وقتٍ لاحق بهيئة الأركان في المواجهة الفاصلة مع رأس الدولة الموازية، والتي انتهت بترحيل الفريق توفيق، وإعادة هيكلة الـ”دي آر آس” وإلحاقها مؤخرا بالرئاسة.

في جميع هذه “المعارك” الصامتة كان المشهد السياسي من الموالاة والمعارضة مغيّبا، غير وازن، وبلا تأثير يُذكر، بل كان مسرحاً لحرب خنادق يتلاعب به رأسا الدولة والدولة الموازية بأدوات الانقلابات العلمية، والحركات التصحيحية، التي لم يسلم منها أي تشكيل في الموالاة كما في المعارضة، فيما كانت أبرز المواجهات بين الرأسين تجري على مستوى التحكُّم في الجهاز البيروقراطي الإداري للدولة، وخزان الدولة من الإطارات السامية، كانت الغلبة فيها لتوفيق حتى بداية تفكيك وإعادة هيكلة مديرية الاستعلامات والأمن، المتحكمة عند المصبّ في ملفات تأهيل الإطارات وترشيحها لمختلف أسلاك الدولة: في الإدارات الكبرى، وكبرى المؤسسات العمومية، والجامعات، ورؤساء الدوائر، والولاة، وحتى الوزراء.

تحرير “الدولة العميقة” باستئصال رؤوس السلطة الموازية للسلطة المنتخبة، يكون قد أنهى عصر ما كان يسمى بصراع الأجنحة، ووحّد مركز القرار فيها على مستوى مؤسسة الرئاسة، التي جمعت اليوم بيد الرئيس معظم أوراق اللعبة، ومنها الحسم في ملف إعداد خليفة للرئيس يحظى بدعم النظام ومكوّنات الدولة العميقة، يقود ببرنامج لن يختلف كثيرا عن برنامج الرئيس بوتفليقة الذي أصبح اليوم برنامجا معتمدا لمعظم مكوّنات النظام والقوى التابعة له عضويا، كبرنامج تجديدٍ للنظام بأدوات إعادة التدوير والتأهيل والإصلاح بالتقسيط المريح.

ويأتي التعديل الدستوري الجديد ليُحكِم إغلاق اللعبة السياسية في أهم موقع للسلطة، بتحصين مؤسسة الرئاسة وتركيز السلطات بيدها، كمؤشر صريح عن امتناع فتح المنصب أمام منافسة حقيقية، فيما لن يشعر النظام بالخوف مستقبلا من فتح التنافس على سلطة البرلمان والمؤسّسات المنتخبة المحلية، ولن يكون بحاجة إلى العبث بمساراتها الإنتخابية، خاصة وأن المشهد السياسي فقير، غير مؤهّل بمكوِّناته الحالية لإنتاج بدائل مغرية في المعارضة، وليس له في الموالاة من يجرؤ على الدخول في صراعٍ مع نظام نجح في إعادة جدولة نفسه لعقدٍ أو أكثر. 

مقالات ذات صلة