عواطف هانم تدير الكرة بطريقتها
سخر المصريون من رئيسهم الجديد عبد الفتاح السيسي، عندما وصف المتحدث العسكري للقوات المسلحة بأنه جاذب للنساء.. وأطلقوا عليه لقب (عواطف) وهو اسم نسائي شهير فى مصر.. والعواطف فى اللغة العربية هي جمع كلمة عاطفة.. وهو الشعور الداخلي الذى يسيطر على الشخص في مواجهة أي موقف في حياته.. سواء كانت فرحة أو حزنا.. غضبا أو ارتياحا.. ويشتهر العرب منذ عصور قديمة أنهم أكثر شعوب العالم تأثرا بعواطفهم في أحكامهم على الأمور حتى ولو كانت فاصلة أو مصيرية في أعمالهم ومستقبلهم.
والمتابعون للشأن الكروي الجزائري في الشهور الأخيرة، يجدون تدخلا عنيفا ومتكررا للعواطف عند الجماهير العاشقة للكرة في إطلاق الأحكام القاطعة على الأشخاص والمؤسسات بل والدول ردا على أحداث رياضية محلية أو خارجية.
ولعل في حملة الغضب أو الشماتة بين بعض الجماهير في الحارس مبولحي، بعد قرار مدربه الأميركي جيم كورتين استبعاده من قائمة فريق فيلادلفيا يونايتد نموذج على دخول عواطف في الموضوع.. والغاضبون أو الشامتون في مبولحي اعتمدوا في مواقفهم على امتناعه عن الانضمام إلى المنتخب في مبارياته الأخيرة.. دون أن يلتمس أحدهم الأعذار للاعب الذي اختير واحدا من أحسن حراس المرمى في كأس العالم الأخيرة 2014 فى البرازيل.. وكان بإجماع الخبراء اللاعب الأفضل في تشكيلة منتخب “الخضر” على مدار مبارياته الأربع.
وتبدو العواطف موجودة فى كل مواقف الكرة الجزائرية، مع الاتحاد الإفريقي في الأشهر الأخيرة، وأغلبها بالطبع قائمة على اعتماد نظرية المؤامرة سببا في أي خسارة كروية أو تنظيمية تمنى بها.. ولا تتذكر (عواطف هانم) أن الكرة الجزائرية حققت قبل أسبوعين حدثا فريدا وغير مسبوق في تاريخ كبرى مسابقات الكرة الإفريقية بتأهل ثلاثة أندية معا إلى الدور ربع النهائي لمسابقة دوري الأبطال (وفاق سطيف حامل اللقب واتحاد الجزائر ومولودية العلمة).. وهو أمر ما كان يحدث أبدا لو كانت المؤامرات محبوكة من الكاف ضد الجزائر وأنديتها.. والطريف أن عواطف غضبت كثيرا بعد وقوع الأندية الثلاثة في مجموعة واحدة رغم أن الأمر اعتمد على قرعة علنية شاهدها الجميع بعيونهم وبحضور مندوبي الجزائر.. واعتبرت عواطف مجددا أن الأمر مؤامرة ضد الكرة الجزائرية رغم أن تلك القرعة تضمن للجزائر وحدها دون كل دول إفريقيا مكانا في نصف النهائي إذا لم يكنا مكانين.
ولا ننسى ردود الفعل العاطفية بين جماهير الكرة الجزائرية بعد حادثة مقتل اللاعب الكاميروني البيرت ايبوسيه، هداف شبيبة القبائل، بعد مباراته ضد اتحاد العاصمة.. ثم بعد عقوبات الاتحاد الإفريقي العنيفة ضد النادي وبعد قرارات المحكمة الرياضية الدولية بتخفيف وإلغاء تلك العقوبات.. وجاءت واقعة رفض اللاعب نبيل فقير اللعب لمنتخب “الخضر” وتفضيله للعب مع فرنسا لتمنح (عواطف هانم) فرصة السيطرة على الساحة الإعلامية للجماهير لأسابيع طويلة.
(عواطف هانم) موجودة في العالم العربي بأسره من شرقه إلى غربه وفي كل المجالات وليست كرة القدم فقط.. ولكنها تغلغلت مؤخرا في الجزائر بصورة زائدة، ما يستوجب حملة إعلامية كبيرة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح والمنطقي دون تضخيم ومبالغة ودون تقليل أو استهانة.
صحيح أن الجزائر كانت تستحق نيل شرف تنظيم كأس الأمم الإفريقية 2017 على ملاعبها.. وأن قرار إسناد التنظيم إلى دولة الغابون غير عادل.. إلا أن الأمر ليس مؤامرة كونية بقدر ما اعتمد على نوع من أنواع الفساد بسبب العلاقات الشخصية والهدايا والمجاملات الضخمة.. والفساد في الاتحادات الرياضية ظاهرة مرضية متفشية في العقود الأخيرة سواء القارية أو الوطنية.
يعتقد كثير من السياسيين والمثقفين أن (عواطف هانم) هي شخصية وهمية خلقتها أجهزة المخابرات في الدول العربية لاسيما الكبرى منها، ونشرتها بين المواطنين لتشغلهم عن الشأن السياسي وتبقيهم في نزاعاتهم الكروية.. وهي حقيقة لا تقبل الشك في مصر، حيث خصصت الحكومة اعتبارا من منتصف الخمسينات في القرن الماضي هيئة تتولى مهمة نشر جنون الكرة والتعصب بين الشباب وطلبة المدارس.. حتى صارت مباراة الأهلي والزمالك في عقد الستينات الحدث الأكثر أهمية وجذبا للحديث والأنظار لدى الشعب المصري.
ومع احترامي العظيم للرياضة ودورها الكبير فى تنمية وتطور الشعوب وفي تحسين صورة ومكانة البلاد، إلا أن دورها الأول قائم على الممارسة الشخصية بالنشاط وليس بالكلام والتعليقات والسخرية وتبادل الاتهامات.