الرأي

عوامل ستعجّل المواجهة الداخلية في الكيان الصهيوني

بقلم: نضال خضرة
  • 577
  • 0

هناك العديد من الأسباب التي ستعجّل المواجهة الداخلية في الكيان الصهيوني وذلك في إطار الاستشراف، وبناء على المعطيات التي تشير إلى تحوّل الكيان الصهيوني من دولة علمانية ديمقراطية إلى دولة ثيوقراطية خلال العشرين عاما القادمة.
حرصت الحركة الصهيونية، منذ العام 1948 على العمل على تأسيس دولة علمانية ديمقراطية، وهذا كان بالتنسيق مع المنظومة الغربية الاستعمارية التي أوجدت كيان الاحتلال، وتعدّ الحليف الإستراتيجي لإسرائيل، وهذا القرار كان له عدة أبعاد إستراتيجية لخدمة الكيان الصهيوني، أبرزها تقديم نموذج لدولة علمانية ديمقراطية، تحاكي الأنظمة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، ليكون نظاما نموذجيا في منطقة تصنّف من دول العالم الثالث، ليتمكّن الكيان الصهيوني من إظهار هذا النموذج العلماني الديمقراطي المتقدم، لتجمل صورته العنصرية الإجرامية القبيحة، أمام العالم، إضافة إلى مراعاة طبيعة المهاجرين القادمين من مجتمعات مختلفة، ويحملون ثقافات مختلفة، وينتمون إلى أيديولوجيات مختلفة، إضافة إلى رفض اليهود الأرثوذكس الحريديم لفكرة الدولة في بدايات التأسيس لأسباب دينية.
هذه الأسباب دفعت الحركة الصهيونية العلمانية في حينه إلى إتّباع سياسة التوازن واحتواء المكوّنات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي، بهدف الوصول إلى الهدف بتأسيس دولة علمانية ديمقراطية ببعد ديني يهودي داعم للأيديولوجيا الصهيونية، والعمل على إقناع اليهود الأرثوذكس “الحريديم” الرافضين لفكرة الدولة وصولا إلى اتفاق “الوضع القائم” الذي تم بين بن غوريون والتيار الديني الأرثوذكسي، ممثلا بحزب “اغودات يسرائيل” عشية الإعلان عن قيام الدولة العبرية.
وكان بن غوريون يهدف من هذا الاتفاق إلى ضمان تأييد الأرثوذكس المتدينين لقيام الدولة وعرض موقف مُوحّد لليهود الموجودين في فلسطين الانتدابية من القرار.
تضمّن اتفاق “الوضع القائم” تسويات تضمن الحفاظ على مكانة الدين اليهودي وتعاليمه في دولة الكيان الصهيوني، والحفاظ على تعاليم يوم السبت بما في ذلك اعتبار السبت الإجازة الرسمية المقدَّسة، ومنع عمل المواصلات العامة، والتجارة وغيرها يوم السبت، والحفاظ على الطعام الحلال حسب الشريعة اليهودية (كوشير)؛ وبناء جهاز تعليمي خاص للمتدينين وتبنّي المنظومة الدينية في شؤون الأحوال الشخصية، مقابل التزام “الحرديم” بالعمل على دعم وتعزيز الأيديولوجيا الصهيونية من خلال الدين لتكون الصهيونية ببعد ديني توراتي، مقابل إعفائهم من الخدمة في الجيش والأمن، والمشاركة السياسية في الدولة، مع عدم التدخل في سياساتها في مؤسساتها.
حقيقة المجتمع الإسرائيلي، بحسب وصف الكثيرين من المؤرخين اليهود، هو عبارة عن فسيفساء صغيرة منقسمة إلى عدة انقسامات، عرقية وأيديولوجية وسياسية واجتماعية واقتصادية. المجتمع الإسرائيلي يتشكل من يهود، وعرب، ودروز، وبعض الأقليات، واليهود في المجتمع الإسرائيلي يشكّلون 74‎%‎، وما تبقى من عرب يشكّلون 23‎%‎، إضافة إلى الدروز والأقليات الذين يشكّلون 3‎%‎.
وينقسم المجتمع اليهودي إلى مهاجرين من ثقافات متعدّدة وأيديولوجيات متعدّدة ومختلفة، شرقية وغربية، يمينية ويمينية دينية ويمينية دينية قومية، إضافة إلى العلمانيين، واليساريين.
ويعاني المجتمع اليهودي من الانقسامات الدينية مثل “الخلافات بين الأرثوذكسية الدينية” و”الأرثوذكسية الدينية القومية”
إلى جانب الخلافات بين المتدينين بالعموم، مع العلمانيين، واليساريين والعرب، والدروز، والأقليات، واللا دينيين، على حد سواء، إضافة للخلاف بين مجمل ما جرى ذكره من اليهود مجتمعين، بمختلف توجهاتهم وتناقضاتهم، مع العرب والمسيحيين والدروز، والملحدين، الذين يشكّلون ما نسبته 26‎%‎ من السكان.

 هذه الانقسامات ستؤدي إلى مزيد من الكراهية في المجتمع الإسرائيلي لاسيما في ظل تصاعد قوة اليمين واليمين الديني والقومي في الدولة، ومحاولة اليمين السيطرة على مؤسسات الدولة وتحديدا القضاء والجيش والأمن في ظل فشل العلمانيين في التصدي لليمين، بسبب تراجع قوتهم ونفوذهم في المجتمع الإسرائيلي، برغم أنهم يشكّلون النخبة السياسية والعلمية في الدولة ويسيطرون على قطاع المال والأعمال.

هذه الانقسامات ستؤدي إلى مزيد من الكراهية في المجتمع الإسرائيلي لاسيما في ظل تصاعد قوة اليمين واليمين الديني والقومي في الدولة، ومحاولة اليمين السيطرة على مؤسسات الدولة وتحديدا القضاء والجيش والأمن في ظل فشل العلمانيين في التصدي لليمين، بسبب تراجع قوتهم ونفوذهم في المجتمع الإسرائيلي، برغم أنهم يشكّلون النخبة السياسية والعلمية في الدولة ويسيطرون على قطاع المال والأعمال ونسبتهم كانت تتجاوز 80‎%‎ في المجتمع اليهودي، لكن نسبتهم اليوم بدأت تتراجع إلى أن وصلت إلى 41‎%‎ في إسرائيل، ومازالت تتراجع أكثر بسبب الهجرة المعاكسة من الكيان الصهيوني، مقابل تصاعد قوى اليمين، واليمين الديني والقومي في المجتمع الإسرائيلي، لتتجاوز نسبتهم أكثر من 50 ‎%‎، إضافة إلى المهاجرين الجدد الذين بدأوا بالعودة لكيان الاحتلال بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 بسبب تصاعد العداء لليهود في الغرب، لاسيما من فئة اليهود المتدينين والقوميين والذين سيساهمون تباعاً بتصاعد قوى اليمين وصولا للهيمنة على مؤسسات الدولة المتمثلة في القضاء والجيش والأمن لفرض رؤيتهم التوراتية ببعدها الديني والسياسي سواء بحسم الصراع مع السكان الأصليين من غير اليهود، والسعي إلى تحقيق الحلم التوراتي، أي إقامة دولة الكيان اليهودي من النيل إلى الفرات، إضافة إلى البعد الديني وفرضه على المجتمع الإسرائيلي، من قدسية السبت، وإغلاق النوادي الليلية وبيوت الدعارة، ومهاجمة المثليين، واحتشام المرأة، والفصل بين الجنسين في الأماكن العامة، وفرض التعليم الديني في المدارس، والجامعات، وفتح الكُنس في معسكرات جيش الاحتلال الإسرائيلي.
كل هذا الخلافات كانت موجودة لكنها بقيت كامنة في المجتمع الإسرائيلي لعدة أسباب، ويتمثل السبب الأول في القاسم المشترك الذي اجتمع عليه اليهود بمختلف توجهاتهم وبمجمل تناقضاتهم، والذي يتمثل بالكراهية لكل من هو موجود على أرض الكيان من مواطنين في الدولة من غير اليهود، حتى الموالين منهم للدولة ولاء مطلقا، والرغبة في حسم الصراع مع السكان الأصليين من الفلسطينيين، الذين صمدوا وثبتوا على الأرض، ولم يهاجروا.
أما السبب الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في مؤسسات الدولة لاسيما مؤسسة القضاء التي تتمتع بالسلطة المطلقة في الدولة، والموصوفة بالنزاهة، التي شكلت ضمانة لكل مواطني الدولة، بالحرية والمعتقد الديني والعدالة الاجتماعية. ثيوقراطية الدولة، ستدفع واليمين، واليمين من المتطرف من الصهيونية الدينية والقومية، إلى تحجيم القضاء كأعلى سلطة في الدولة والتي شكلت طيلة 76 عاما حماية لتماسك هذه الفسيفساء منذ قيام الدولة، ليصبح القضاء تباعا من سلطة مطلقة في الدولة، إلى سلطة هامشية ثانوية تحت سيطرة السلطة التنفيذية.
ويضاف إلى الأسباب التي ستعزز المواجهة، في حال سيطرة اليمين على مؤسسات الدولة، الصراع على هوية الدولة التي أرساها القادة المؤسّسون العلمانيون، بدعم من المنظومة الغربية، للأسباب التي ذكرت أعلاه أيضا من الأسباب التي ستساهم في تصاعد المواجهة الانقسامات الداخلية، الأيدلوجية والاجتماعية والاقتصادية في ظل غياب العدالة الاجتماعية، بين اليهود والعرب من جانب واليهود والأقليات الأخرى من جانب آخر.
من الواضح أن القوى اليمينية والصهيونية الدينية والصهيونية الدينية القومية ذاهبون لهدم الدولة التي أنشأها المؤسسون الأوائل والتي شكلت نموذج في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واستقلالية القضاء النزيه، الذي تفاخر به دولة الاحتلال الصهيوني، والمصنف دوليا من أنزه القضاء في العالم، مقابل إنتاج دولة ثيوقراطية يحكمها مجموعة من الإرهابيين المنبوذين في العالم أمثال ايتمار بن غفير، وبتسلئيل سموترتش، هذه الدولة المرتقبة ستساهم في تعجيل الخراب الثالث.

مقالات ذات صلة