الرأي

عوامل متحكمة في المشهد السياسي العربي

صالح عوض
  • 3168
  • 2

سوريا والسعودية والعراق ومصر وإيران وتركيا.. هذه عواصم الفعل والتأثير والتأثر في صناعة المشهد العربي الإسلامي.. من الأهمية أن نلتفت إلى كيفية تعامل الإدارات الغربية مع قضايانا المتعددة والمختلفة، لأن هذا الالتفات سيدعونا إلى محاولة فهم للعناصر المتحكمة في تطورات المشهد السياسي في الوطن العربي والعالم الإسلامي، رغم أن الإعلام الغربي ومن خلفه المؤسسات الأمنية الغربية تحاول جهدها أن تظهر لنا قضايانا كملفات ليس بينها صلة، وتصر الإدارات الغربية على التعامل معنا في ملف دون ملف، وهنا مكمن الخطورة، حيث يستجيب كثيرون لهذه الكيفية المخادعة في التعامل ويظنون أنه سبيل أكثر واقعية وموضوعية ونجد أنفسنا أننا خسرنا ملفاتنا واحدا بعد الآخر.

البترول والغاز وإسرائيل والسلاح والتجارة والبنوك والتسيّد العالمي كلها عناوين التركيز الاستعماري التي لا يفرط الغرب في قوة نشاطها وحيويتها وانسيابية التعامل معها والاستفادة منها..ولضمان فاعليتها لابد أن يقابلها في الأمة التفكك والتجزئة والتخلف والتناحر الداخلي والاستهلاك وإهدار الطاقات والثروات والتبعية للغرب.

هذا السياق ينبغي أن لا يغيب لحظة عن بال السياسي والمثقف وصانع القرار في البلدان العربية والإسلامية – المجال الحيوي للنفوذ الغربي- لكي تكون خطواتنا وأفكارنا في اتجاه إيجابي نسترد فيه حقوقنا الإنسانية والحضارية من خلال رؤية شاملة لأجزاء الصراع مع الإدارات الغربية وكيفية تداخلها في مهمة استراتيجية واحدة.

أرى أهمية التقدمة للموضوع قيد البحث بمثل هذا الكلام النظري في محاولة لاكتشاف المشترك بين قضايانا جميعا أو الإشارة إلى ذلك على الأقل..من هنا نرى أن التأمل فيما يحصل في أي إقليم عربي أو إسلامي إنما يفتح الوعي على كل المشهد في الوطن العربي والعالم الإسلامي ويمنحنا القدرة على استيعاب ما يجري كما يمنح أصحاب القرار القدرة على اتخاذ السليم من المواقف.

الآن نحاول تأمل الفشل والصواب كما الحاجة والمهمة والريادة والتخلف في هذا المشهد..في سوريا والسعودية والعراق ومصر وإيران وتركيا وهذه عواصم الفعل والتأثير والتأثر في صناعة المشهد العربي الإسلامي..

بين هذه العواصم تناقضات كبيرة مفتعلة وليست أصيلة -بالتأكيد- لأن هذه البلدان تمثل المساحة الأكثر حيوية في الكتلة الإسلامية المرتقبة.. وتتعقد الأمور بين هذه البلدان بفعل التدخلات الأجنبية وفرض أجندات خارجية على المنطقة..

ويتحرك الغرب على اعتبار أنه المركز الكوني للحضارة البشرية والهيمنة السياسية على المشاريع الإقليمية هنا وهناك ومن هنا يتحرك في أي لحظة لقمع أي “تمرد” يمكن أن يحدث في عواصم الكتلة الإسلامية، كما يمكن أن يقوم بحرف أي نهوض عن غاياته أو تفريغ أي مشروع من مضامينه وتحويله إلى مشروع خادم للمصالح الغربية.

في هذه السنوات نعيش حالة تطور كبير للأوضاع الداخلية في كل بلد من البلدان المذكورة ونعيش حالة دخول أساليب جديدة للغربيين في إدارة علاقتهم بنا..وتبدو الأوضاع محتقنة واحتمال انفجارات مدوية في المنطقة قد تعيد ترتيب أولوياتها وتحالفاتها أمر أصبح في المنظور.

السعودية وإيران وتركيا هي العواصم الأكثر تحركا من أجل أجندات معلنة وواضحة، فالسعودية متعهد رسمي لإنجاح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة ودافع أموال أكثر من دافع الضرائب الأمريكي لإنجاح الخطط الأمريكية في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان..والحديث عن السعودية هنا يجر معه إلى حد كبير دول الخليج..وتلبس السعودية هذا الدور بالمكانة الروحية لبلاد الحجاز فتصبح بذلك الممثل للبلاد المقدسة في الحس الديني لدى شعوب المسلمين، وهذا جانب قوة كبير يصر السعوديون على إبرازه وهم يتصرفون تجاه القضايا العربية والإسلامية الداخلية..وتركيا تحاول مع حزب العدالة والتنمية جلب الفوائد الكبيرة للناخب التركي لضمان الاستمرار في الحكم، وهذا لابد أن يمر من ممر الرضي الأمريكي وعدم التصادم مع الإستراتيجية الأمريكية بل والتماهي معها أحيانا في قضايا بعينها..تركيا دخلت على خط الانتماء السياسي مع حركة الإخوان المسلمين ومن هنا بدأ التناقض مع السعودية لأن التفاعل مع هذا الانتماء يعني بوضوح البحث عن مرجعية إسلامية غير السعودية، وهي باختصار مصر الإخوان، وهنا يبرز الدور السعودي في محاولة تدمير احتمال بروز مرجعية إسلامية سنية غير السعودية، ومن هنا جاءت المباركة السعودية السريعة على عزل الرئيس المصري الدكتور مرسي وإعلان الدعم للوضع الجديد، لكنه دعم اصطدم بعدم الاتفاق مع الحكام الجدد في مصر في الموضوع السوري ..الموقف السعودي من سوريا ليس عليه إجماع في البيت السعودي فهو خيار أمني لجهة أمنية في النظام السعودي أكثر منه خيار سياسي وإن كان خيار التدخل في الشأن السوري أيضا ليس خيارا تركيا بل هو خيار حكومة أردوغان التي ركبت موجة إنهاء النظام والمجيء بنظام جديد يضمن السماح لأنبوب غاز قطري بالمرور من سوريا إلى تركيا إلى أوروبا فتحقق تركيا بذلك أرباحا هائلة.. هنا تحسم إيران خياراتها بعد أن أصيبت بخيبة أمل كبيرة من تعامل الإسلاميين المصريين في ملفات الصراع مع الغرب، كما أصيبت بخيبة أمل كبيرة من سقوطهم كذلك..فإيران تعوّل كثيرا على الإخوان المسلمين كأكبر حركة إسلامية سنية بل كأكبر حركة منتشرة في الوطن العربي ولها بها علاقات تاريخية.. إيران تعوّل على حركة الإخوان المسلمين الوسطية وغير المذهبية في أحداث تحول تاريخي داخل علاقات أجنحة الأمة..فالإخوان المسلمون وبالذات المصريون -حيث إنني لا أعتبر أن هناك حركة إخوان مسلمين تلتزم نهجهم إلا في مصر- قدموا مبادرات تاريخية في وحدة المسلمين والتقريب بين الشيعة والسنة وقد استقبل قادة وعلماء شيعة إيران والعراق ذلك بتفاعل كبير على المستوى الفكري والثقافي والسياسي مع الإخوان المسلمين المصريين الذين قادوا سرايا الجهاد ضد الانجليز والكيان الصهيوني في الأربعينات والخمسينات من القرن المنصرم..من هنا يبدي الإيرانيون حرصا كبيرا على أن يحظى الإخوان المسلمون بحقهم في الحراك السياسي وبفرصتهم في الوجود الفاعل في المشهد السياسي العربي.. ومن هنا لم يتردد الإيرانيون في إبداء الرغبة والاستعداد للوقوف بجانب مصر بقيادة الإخوان في كل المجالات إلى الدرجة التي قال فيها الرئيس الإيراني السابق إن تفاهم مصر وإيران سيزيل إسرائيل..لم يلتقط إخوان مصر شروط المرحلة ولم ينتقلوا إلى منطق الدولة والحكم ولم يدركوا بعد أهمية الجغرافي السياسي وأهمية التحالفات والعلاقات وكيفية البحث عن المشترك، فأداروا ظهرهم لإيران بل ودخلوا في تناقضات غير منطقية أفقدتهم إمكانية وجود حليف، حيث كان حرصهم على كسب ود خصوم استراتيجيين كالسعودية والإمارات والكويت في حين كان إعراضهم عن تحالف ممكن ومهم ويمنحهم مدا ونفوذا ودورا استراتيجيا في المنطقة..إنهم لم يجيدوا التعامل مع تطورات القوة في المنطقة ولا مع قوى المجتمع المخالفة لرؤيتهم في حين غاب خطابهم السياسي..وفي سوريا تشابكت الأدوار والرغبات والأجندات، وقد وجدت إيران أهمية التحالف مع النظام السوري لمدة طويلة على قاعدة حمايته لخيار المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية ولم يلتفت الإيرانيون إلى التناقض الإيديولوجي مع حزب البعث العلماني..وفي مصر بعد إخراج الإخوان من الحكم في مصر- على الأقل حتى الآن- لم تنته الأزمة المصرية المفتوحة على احتمالات عديدة بعد أن أصبح واضحا أن تحرك قيادة القوات المسلحة المصرية لوضع حد لحكم الإخوان لم يحسم الأمر تماما رغم أنه لم يسلم من سقوط ضحايا وتوتر سياسي واجتماعي وهو يمر بمرحلة صعبة على المستوى الاقتصادي، وتبدو خياراته في هذا المجال غير واضحة، كما أن الحراك المطالب بعودة الشرعية وعدم الاعتراف بالحسم العسكري لازال فاعلا في أوساط عديدة من المجتمع المصري..وفي مصر الظروف تختلف تماما عن تلك التي صاحبت ظهور عبدالناصر في المسرح السياسي من جهات عدة اقتصادية وسياسية واجتماعية محليا وإقليميا ودوليا..ولهذا فإن تشبيه مستقبل الدور العسكري في مصر بمرحلة عبدالناصر تشبيه غير دقيق..وهذا يعني عدم إمكانية استبعاد الإخوان من العملية السياسية بقوة في أي مرحلة جديدة سواء من خلال مصالحات أو تفاهمات لابد أن تكون، حيث سيظل الإخوان القوة الأكثر تنظيما وانتشارا في أوساط المتعلمين ولعلهم يكونون قد استوعبوا الدرس تماما فغيروا من مفاهيم وأفكار محنطة وتحرروا من روح الحزبية وانتقلوا إلى مستوى الشعب، وفهموا في أي موقع جيوسياسي هم وفهموا أي دور لمصر؟؟

 ..في المشهد السياسي الجميع ينتظر مصر..ينتظر استقرار مصر ودور مصر لإنقاذ تركيا من ارتباطها بعلاقات استراتيجية مع الغربيين، ولإنهاء توترات إقليمية توّلدت في غياب دور مصر، ولمنح وحدة الأمة فرصتها ومد الجسور بين أطرافها، وللتقدم مع الأمة وبها إلى التكامل والتطور المشترك والتعاون ..ولتكون فلسطين حينذاك في منال اليد وحينذاك فقط نستطيع أن نفرح بنصر الله والله يتولانا برحمته.

مقالات ذات صلة