عودة “إرحل” لميدان تحرير مصر من إخوانها
إخوان مصر الذين قطفوا ثمار ربيع مغشوش، نجحوا في إعادة الحياة لميدان التحرير، الذي فتح مخازن شعاراته، ليشهر في وجه الرئيس المنتخب “البطاقة الحمراء” وتنطلق حباله الصوتية مجددا بشعار “إرحل” يا ريس، لأن بعض الأخوان من المسلمين أرادوا أخونة شركائهم في الوطن بأدوات الشرعية إن أمكن، أو بشريعة الغاب وإشهار العصا لمن يتخلف عن البيعة.
مشاهد الحرب الأهلية التي عمت شوارع القاهرة وعددا من المدن المصرية، بين مناصرين وخصوم للرئيس، يحسمون خلافاتهم بالتراشق بالحجارة فما فوقها من الأسلحة البيضاء وصولا إلى الرصاص الحي، هي في العرف الثوري مشاهد عادية، بل هي تفصيل لا يعتد به حين يقارن بالمذابح الرهيبة التي صاحبت الثورة الفرنسية ومعظم الثورات التي جاءت بعدها، وأن الانتصار لم يتحقق للثورة الفرنسية باقتلاع النظام الملكي المستبد، إلا بعد مرور قرابة نصف قرن، شهد اقتتالا بين الثوار و”فلول” النظام، وبين الثوار أنفسهم، وبين فرنسا “الثورية” ومحيطها الأوروبي المتحفز لوأد الثورة، وبين القيادة الثورية المستبدة مع نابليون وخصومه من الثوار ومن الفلول.
.
زمن حلق اللحية بعد قص الشارب
فبالمنطق الثوري، وحتى مع التسليم بأن أحداث الربيع العربي كانت ثورة شعبية أصيلة، ثورة برتقالية بيضاء سلمية كما يقال، فإن ما حدث حتى الآن طبيعي، منطقي، ومبرمج في الجينوم الثوري، بل ينبغي للشعوب في مصر وتونس وليبيا واليمن وسورية أن تتوقع الأسوأ في ما هو قادم، وأنه ما يجري مسار طبيعي في الثورات، وأن اقتطاف ثمار الثورات، إن كان للثورات ثمار، يحتاج إلى دفع الثمن: دما، وعرقا، وامتحانات لا تحصى، حتى يجتث النظام الذي قامتعليه الثورة، وقد يتذكر بعض القراء مقالا مبكرا لي خلصت فيه إلى أن ثوار ميدان التحرير قد “قصوا شوارب النظام وعفوا عن اللحية” في سلوك لم يكن من سنن الثورات.
ما حصل في مصر وتونس على امتداد الأسبوعين الأخيرين لم يأت بجديد أو ببدعة حين يقاس على أمثلة ثورية سابقة، وتحديدا ذلك الانقسام الشعبي الحاصل بين الرفاق في ميدان التحرير، المشتبكين اليوم عند قصر الاتحادية الرئاسي أو في ولايات جنوب تونس، أو بين ثوار النيتو في “الإمارات الثورية” التي اقتطعها كل فريق لنفسه. ولن يكون من الإنصاف تحميل مسؤولية الردة لأحزاب الإسلام السياسي، التي قطفت الثمار الأولى للربيع العربي، لكونها كانت أكثر استعدادا وتنظيما من غيرها من القوى السياسية، ولن يكون من الإنصاف اتهام القوى الوطنية الليبرالية بما تتهم به اليوم من تآمر على الشرعية الجديدة التي أفرزها المسار الديمقراطي المتحرر من قبضة النظام السابق كما يدعون.
.
المغارم عند توزيع المغانم
فمن سنن التدافع السياسي الطبيعي أن يسعى كل فريق إلى الاستحواذ على السلطة بقدر ما بين يديه من قوة، وتحالفات، ودعم أجنبي، وأن يسخر ما يسمح به القانون وحتى ما لا يسمح به في سياق التمكين، ولأجل ذلك لم يكن غريبا أن تقدم جماعة الإخوان ورئيسها المنتخب على ما أقدمت عليه منذ ترحيل الرئيس السابق، سواء ما تعلق منها من تحالف مع المؤسسة العسكرية، أو استحلاب متواصل للدعم الأمريكي والغربي لها، وتقديم المقابل للعسكر وللحليف الغربي، ولا يعاب على الإخوان، لا ما يسميه خصومهم “سياسة التكويش” على السلطة، وأخونه الدولة، ولا محاولتهم ضرب المؤسسة القضائية، التي ظلت تعيق مسار التمكين أكثر من أي قوة سياسية معادية، أو ألف مليونية يتسلى بها شباب الثورة، لأن أي قوة سياسة أخرى، توفر لها ما توفر للإخوان من قوة تنظيمية، وقوة إقناع أقنعت العسكر والحلفاء المؤثرين في الخارج، كانت ستنتهج نفس النهج، وتسعى إلى توظيف نفس الأدوات للتمكين.
“اقتطاف ثمار الثورات، إن كان للثورات ثمار، يحتاج إلى دفع الثمن: دما، وعرقا، وامتحانات لا تحصى، حتى يجتث النظام الذي قامت عليه ثورات الربيع التي ظن أهلها أن قص الشارب يعفيها كلفة حلق اللحية”
.
شرعية القصر وشرعية الثورة
ولأجل ذلك لا أجد دافعا منطقيا لتأثيم القرارات الصادرة عن الرئيس المصري، وعلى رأسها الإعلان الدستوري الأخير، الذي جعله فوق المساءلة القضائية، ولا ذلك الاستعجال في سلق الدستور في جلسة ماراطونية غير مسبوقة في تاريخ كتابة الدساتير.
وإذا كان لا بد من تقييم موضوعي للسلوك، فإنه ينبغي البحث عن مرجعية أخرى غير المرجعية الثورية، التي تسمح بأكثر مما اقترفه الرئيس المصري من تعد على القوانين وعلى المؤسسة القضائية، بل ولا حتى استدعاء المرجعية الديمقراطية، التي لها منافذ وأبواب خلفية على أساليب الاستبداد، ولدينا أمثلة في التاريخ القريب والبعيد للديمقراطيات الغربية، وعن اعتداء أنظمة ديمقراطية على الدستور والقانون.
فقد سارعت السلطة الحاكمة في الولايات المتحدة إلى سن قانون “الباتريوت آكت” الذي قيد كثيرا من الحريات التي ضمنها الدستور الأمريكي، وكانت الحكومات الغربية المنتخبة تصدر قوانين معادية منتهكة للمبادئ التي قامت عليها الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان، سواء في مواجهة الاحتجاجات الداخلية، أو في التصدي لنضال الشعوب التي احتلتها أو اعتدت على أراضيها وثرواتها.
.
المفسدة المطلقة في السلطة المطلقة
المرجعية الوحيدة التي تصلح للنظر في تصرفات وسلوك الأنظمة الإسلامية، التي قامت على خلفية ثورات الربيع العربي، هي بلا ريب المرجعية الإسلامية، التي رفعت أحزاب الإسلام السياسي رايتها وشعارها. فمما لا يقبل الشطط والمراء فيه، أن أحزاب الإسلام السياسي ملزمة شرعا وأخلاقيا بإخضاع سلوكها لأحكام الشريعة، فلا يغرمنها شنآن القوى الليبرالية أن تحيد قيد أنملة عن أحكام الشريعة، التي تحرم على الحاكم المسلم الاستبداد، كيفما كانت المبررات والدوافع.
فليس من الشرع أن يدعي حاكم مسلم لنفسه العصمة من الخطأ، فيبادر إلى تحصين أعماله وقراراته من المحاسبة أما م القضاء، كما فعل الرئيس المصري في الإعلان الدستوري، ولا تسمح الشريعة لجماعة ترفع شعار الإسلام هو الحل وتحكيم شرع الله، أن تناصر قرارا مستبدا يخالف أحكام وسنن الشورى التي جاءت في القرآن الكريم بصيغتين: صيغة عامة ملزمة للجميع “وأمرهم شورى بينهم” وصيغة خاصة لكل من يتولى ولاية من ولاية المسلمين: “وشاورهم في الأمر”.
وما حصل أن الرئيس المصري، القادم من جماعة إسلامية عريقة، لم يستشر حتى الطاقم الاستشاري الذي اتخذه بطانة تعصمه من الوقوع فيما وقع فيه, وقد اعترف نائبه أنه لم يسمع بالإعلان إلا عبر الإعلام، وقد استقال كثير من مستشاريه، وأعابه بعض المنصفين من قادة الحركة الإسلامية، وأعضاء سابقون في الإخوان المسلمين، وقد كان بوسع الرئيس المصري أن يتراجع عن هذا القرار الذي عطل مؤسسة القضاء، وهيج الشارع المصري، وقاد إلى التقاتل بين المصريين في شوارع القاهرة، وفي مدن مصرية كثيرة، انتهت بحصيلة قاربت 700 مصاب، ومصرع ستة مواطنين، وازداد الصدام ضراوة بعد خطاب مرسي الذي تجاهل حجم الاحتقان الشعبي، المرشح لتصعيد خطير بدءا من يوم أمس الجمعة، الذي رفع فيه ميدان التحرير “البطاقة الحمراء” واستخرج من مخازنه يافطات الترحيل. وقد كان بوسع رئيس دولة، ينتمي إلى مرجعية إسلامية، أن يحكم في هذا الباب المبدأ الإسلامي الذي يرجح دفع الضرر على جلب المصلحة.
“ما لا يقبل المراء فيه، أن أحزاب الإسلام السياسي ملزمة شرعا وأخلاقيا بإخضاع سلوكها لأحكام الشريعة، فلا يغرمنها شنآن القوى الليبرالية أن تحيد قيد أنملة عن أحكام الشريعة، التي تحرم على الحاكم المسلم الاستبداد”
.
إخوان من المسلمين يكفرون إخوانهم في الوطن
ومن جهتهم، كان بوسع أنصاره، من جماعة الإخوان والتيار السلفي، أن ينصروه بحمله على إبطال قرار سيء، من الواضح أنه أحدث فتنة بين المسلمين، وليس الخروج في مليونيات لتأديب المحتجين نيابة عن القوى الأمنية الشرعية، فلم تنشأ الفتن في صدر الإسلام إلا باصطفاف جموع المسلمين داخل فسطاطين يتناحران على السلطة، وليس على الاحتكام إلى الشريعة، فالاقتتال في واقعتي الجمل وصفين، وفي كربلاء وما جاء بعدها، لم يكن بين فريق مسلم يرفع شعار الشريعة وآخر علماني يدعو لدولة علمانية، لكنه كان صراعا صرفا على السلطة، لا يختلف كثيرا عن أي صراع سابق أو لاحق على السلطة.
غير أن المخيف، المثير للعجب والقلق حقا، هو دخول مشايخ الدين والدعاة على الخط، بخطاب عنيف تكفيري، يحرض صراحة على القتل والفتنة بين أبناء الوطن الواحد. فالذين تابعوا مليونية “الشرعية والشريعة” يكونوا قد صعقوا بما صدر عن دعاة مشهورين، بعضهم معتم بعمامة الأزهر، وكثير منهم كان يدخل إلى بيوتنا عبر شاشات التلفزيون، مثل الداعية وجدي غنيم والشيخ حسان، وكان لهم تأثير على شبابنا. فكيف يعقل أن يخرج دعاة بهذا المستوى، ليقولون للمخالفين في السياسة من المواطنين المصريين “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”، وقد اشتبه عليه، فظن أنه في أعقاب معركة أحد، وأنه هو الصحابي الجليل الذي خاطب أبا سفيان زعيم المشركين بمكة وقتها، وأن من يتظاهر ضد الرئيس مرسي مشرك كافر مخلد في النار إذا ما قتل وهو يدافع عن رأيه السياسي.
.
الإسلام السياسي يبحث عن حتفه بظلفه
الفريق “الإسلامي” سواء منه الجالس على كرسي الحكم الآن في دول الربيع، أو من ظنوا أنفسهم أنهم الأنصار والمهاجرون، ليقولوا ما قاله الداعية وجدي غنيم “أن المعركة اليوم هي معركة بين أنصار الإسلام وأعدائه” بما يبرر الدعوة للنفير العام الذي صدر عن جماعة الإخوان يوم الأربعاء، وقاد إلى إشعال فتنة الاقتتال الداخلي، هذا الفريق الإسلامي يكون قد تحول في الحد الأدنى إلى عدو لنفسه ولما يسمى بالإسلام السياسي، ولم يعد بحاجة إلى من يستعديه. ثم إنه لم يجرم في حق المسلمين في مصر فحسب، ولا في حق من كان يؤمن بحق المسلمين في بناء دولة بمرجعية إسلامية، بل يموت قد أجرم في حق جميع المسلمين، تماما كما فعلت وتفعل الجماعات المتطرفة، وقد ثبتوا على مكونات التيار الإسلامي تهمة ركوب المسارات الديمقراطية من أجل وأدها والانقلاب عليها متى يحصل لهم التمكين.