عودة إلى المربع الأول 2/2
إلى جانب الحركة الإسلامية التي استماتت في العمل من أجل العودة إلى الحياة الإسلامية، وخاصة بعد سقوط الخلافة وتجريد المجتمعات المسلمة من مؤسساتها التي تحفظ لها مرجعيتها الدينية في التعامل مع حياتها الدنيا ومع محيطها المختلف والمؤتلف، يوجد أيضًا التيارُ الحداثي الذي تقاطعت أهدافه مع الحركة الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بالحرص على البناء الاجتماعي والاهتمام بالتنمية، وربما تعاونا في بعض الأحيان، وهما يتصارعان في تحقيق فكرة واستبعاد أخرى، خاصة في إطار النشاط القومي الوطني بأبعاده السياسية التحررية.
لقد التحما في إطار وطني واحد في العمل على الاستقلال، وفي ضرورة البناء والتشييد، وقد ظهر هذا الالتحام والتوافق والتنسيق في الثورات، مثل الثورة الجزائرية والثورة المصرية والثورة العراقية، و كانت الجهود متلاقية على أهداف وطنية تحررية واحدة، وكذلك في الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد بعد الاستقلال، على تفاوت بين المجتمعات وأعرافها وعاداتها، و كان الحزب يجمع بين جميع التيارات التي أفرزها المجتمع.
في بلادنا، مثلًا، وُجد في جبهة التحرير الوطني الإسلامي، والعلماني الليبرالي، والعلماني الاشتراكي، والوطني المحافظ، ويوجد في كل الأنظمة التي عرفت الحزب الواحد مثل هذه التجربة، وكان هناك تعاونٌ جزئي وصراع خفي لم يظهر إلا في سياقات أخرى، إذ نشأت تيارات خارج هذه الأحزاب الوحيدة التي لا شريك لها، وبدت التباينات والشروخ الكبيرة بين التيارين، وبحكم أن الأمة لم تهيئ الإطار الذي يلملم هذا الشتات على قواسم مشتركة كما فعلت الحركات الاستقلالية، ضاعت الفرصة، ونزغ الشيطان بين هذه التيارات، فانفصل بعضها عن بعض، وتحاربت، وتنازعت، وتشتَّتت، خاصة عندما تمكَّنت التيارات الحداثية من التحكم في مفاصل النظم السياسية، ولاقت من التشجيع الغربي الدعم؛ لكونها تعرفه ويعرفها، ثم راحت التيارات تتمزق شيئًا فشيئًا إلى أن وصلت الانقسامات إلى ما نعرف وما لا نعرف، فقد تباعد التياران، ثم انقسم كل تيار على نفسه إلى فئات مجهرية لا تُرى بالعين المجردة.
ولم يبقَ النزاع بين التيار الإسلامي والعلماني كما ظهر ذلك في ثمانينيات الصحوة، إذ كانت المناظرات محتدمة بين الفريقين، وقد ظهر ذلك فيما قام به المصريون من مقابلات بين التيار العلماني والتيار الإسلامي، فيما دار من حوار بين الشيخ الغزالي وفؤاد زكريا، وما صدر من دراسات لكلا التيارين من مؤلفات، وإنما تجاوزته إلى ما بين فرق القوميين المشكَّلة من فئات ليبرالية ويسارية، في إطار مناقشاتهم وجدوى طروحاتهم، لا سيما بعد هزيمة 1967 التي اعتُبرت، في تاريخ الفكر العربي، سقوطًا حرًّا للتيار القومي، وكذلك في تقييم التجربة السياسية، فسقط عبد الناصر، وسقطت معه جميع الفئات المتأثرة به في العالم العربي.
ذكرتُ كل هذا الذي ذكرت، لأذكر بأن ما توصل إليه إخواننا في سوريا وتركيا وماليزيا وإيران من قبل، إنما هو خلاصات توصلوا إليها في ممارساتهم العلمية والعملية، وثمرة من ثمار هذه الجهود المباركة التي جاوزت القرنين.
التجربة الماليزية، مثلًا، استفادت من علاقاتها مع ندوة الشباب الإسلامي التي كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ومن العلاقات الشخصية التي كانت بين أنور إبراهيم، حليف محمد مهاتير، وعبد الحميد أبو سليمان، أحد الناشطين في ندوة شباب العالم الإسلامي، وأحد الناشطين في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بعد ذلك، ليست خافية. ثم التحق أنور إبراهيم الإسلامي بالحزب الوطني “آمنو”، وهو حزبٌ وطني يشبه حزب جبهة التحرير الوطني أيام الحزب الواحد في بلادنا، وكان يقوده محمد مهاتير… هذه القيادة “الإسلامية الوطنية” هي التي قفزت بماليزيا تلك القفزة النوعية، ولم تخبُ جذوة التجربة إلا عندما اختلف الرجلان، فعادت حليمة إلى عادتها القديمة، فعاد المجتمع الماليزي إلى تخلفه، ولم يستطع مهاتير إعادة التجربة في غياب أنور إبراهيم، ولم يستطع أنور إبراهيم اليوم العودة بالبلاد إلى تلك التجربة الزاهية.
وكذلك الأمر في تجربة العدالة والتنمية في تركيا، التي بدأت سنة 2001، وهي امتداد لخبرة متوغلة في التاريخ، في دهاليز أربكان والنورسي وغيرهما من العلماء والمربين والسياسيين، ولما استلم هذا الحزب الجديد، الذي بنى استراتيجيته على تلك الخبرة، قد خط خطه الطويل ابتداء من سنة 2001 وهو في صعود، ولكن بعد ربع قرن من الزمان، ها هي اليوم تركيا قد لا تحافظ على الوتيرة نفسها في الصعود بسبب التحديات وفراغات أخرى لا يتسع المقام لذكرها الآن…
وما وقع لهاتين التجربتين، ينسحب على كل تجربة مرَّ بها عالمنا الإسلامي، بما في ذلك التجربة السورية التي بُنيت بخصوصيتها الشامية، فهي تجربة بلا شك نموذجية منذ أيامها الأولى التي حل فيها التنظيم العسكري نفسه، وانتقل إلى مؤسسات الدولة وإلى بناء الجيش انطلاقًا من مؤسساته القائمة، وليس بحله كما وقع للجيش العراقي. وقد اكتسبت التجربة السورية خبرة واسعة خلال الحوارات والنقاشات التي كانت خلال سنوات الثورة [2011-2024]، بين أطراف المعارضة التي كانت تواجه النظام، ومن خلال إنشاء حكومة الإنقاذ الوطني في إدلب سنة 2017، حيث كانت تدير دولة مصغرة… وكانت هناك مشكلاتٌ عويصة وجرى التغلب عليها، وهي في طريقها إلى تنمية التجربة، ولكن المحاذير والمخاطر في الطريق لا تزال كبيرة.
إن القاسم المشترك بين هذه التجارب الإسلامية الثلاث، أن لا أحد فيها ادَّعى بأنه إسلامي؛ بل إن النظام التركي يصرح بأنه نظام علماني؛ لأن طبيعة النظام السياسي في مواثيقه علمانية، ولكن ما تحقق في هذه التجارب من صميم الإسلام وعمقه، فيما يتعلق بالاهتمام بالتنمية والاشتغال على تحديث النظم التكنولوجية، مهما كانت التسميات، رغم أن البعض لا يزال ينظر إلى تركيا على أنها رقم صهيوني في المنطقة، وسوريا تتهيَّأ تبعًا لذلك.
ونتمنى أن تحدث نقلةٌ نوعية أخرى في الجانب الحداثي، فيعدِّل طروحاته، ويتخلى عن سلفيته الموغلة في القدم، للوصول إلى ساحات مشتركة لبناء تجارب وطنية ناجحة، وذلك سهل وميسور في تقديري، وتجربة الحركة الوطنية من الخبرات التي يمكن استدعاؤها، وقد كانت علاقات عفوية، وتمتلك من الصدقية ما لا تمتلكه الأيديولوجيا.
وإنما ينبغي على الحداثيين أن يشعروا بأنهم ليسوا أحرص على المجتمعات الإسلامية من الإسلاميين، لا سيما وقد أثبتت التجربة أن هؤلاء الإسلاميين قادرون على البناء والارتقاء مع غيرهم، والعلمانيون لم يحققوا ما يريده المجتمع عندما كانوا في السلطة أو شركاء فيها.
إن هذه التجارب الإسلامية الثلاث، وكذلك التجربة الإيرانية مع خصوصيتها الشيعية، تعدُّ بداية لتجارب ناجحة، وليست نهايات، وهي معرَّضة للكثير من الضغوط والرفض الداخلي والخارجي، خاصة وأن مستوى الأمة وقياداتها السياسية والاجتماعية والعملية لم يرتقِ بعد إلى المستوى المأمول، ومن ذلك قضية التفاهم بين الفئات والمذاهب والتيارات من اختلاف في الرؤى ووجهات النظر، رغم وجود العامِل الجامع بينهم، وهو العلم والمصالح المشتركة، اللذان لا يمكن أن يكونا إلا شاهدي عدل على ما تقوم به المجتمعات وفئاتها من جهود، لكن كيف ينظر هؤلاء وهؤلاء إلى العلم والمصالح المشتركة التي تعصمهم من الخلافات والتطاحن والزلل؟
ولكن قبل مشكلة التعاون والتفاهم بين التيارين الإسلامي والحداثي، توجد مشكلة أخرى، ولعلها المشكلة الأمّ للجميع، وربما هي أخطر، هي المسألة المعرفية ومرجعياتها الكلية، إذ بالقضاء عليها نقضي على ما لا نهاية له من المشكلات بين الحداثيين والإسلاميين، وبين العلمانيين فيما بينهم، وبين الإسلاميين فيما بينهم.
ذلك أن ما نعتبره مشكلات اليوم قد تجاوزناه في خبرات سابقة، ولكنه لم يستمر بسبب القصور المعرفي والمنهجي، فقد حققنا منجزات كثيرة من قبل، وفرحنا، وأعلنّا عن ذلك جهارًا، وأقيمت الحفلات والأعراس، كما قمنا بأعمال ناجحة خدمة للأمة، وفرح بها الناس، ولم نتحسس من بعضنا ونحن في طور الإنجاز، ولكننا لم نحافظ على ذلك المنجَز وتلك المشاركات المبرَّأة من عيوب “الأنا المنتفخ”، فهل كل ذلك شُوِّه وأصبحنا نشك في صدقه وشرعيته؟ أم أن القوى المضادة استثمرت في تلك المنجزات وحوَّلتها إلى إشكالات وإخفاقات بعد ذلك؟ أم أننا لم نبلغ المستوى الذي يُنجز بمنهجية ويحمي ما أُنجز؟
وأخاف أن يقع لتجاربنا اليوم ما وقع لتجاربنا بالأمس، فنفرح اليوم بالمكاسب، ونرتدُّ بعد حين عنها، ونعتبرها من مخططات القوى العظمى للكيد والتآمر على الأمة، وقد لوَّح بذلك المبشرِّون بالتطبيع السوري، فعملوا على الترويج بأن السلطة الحالية في سوريا صناعةٌ أمريكية تمهيدًا للتطبيع مع الصهاينة. وما أسهل اختراق صفوفنا وجدُرنا الثقافية.
القاسم المشترك بين هذه التجارب الإسلامية الثلاث، أن لا أحد فيها ادَّعى بأنه إسلامي؛ بل إن النظام التركي يصرح بأنه نظام علماني؛ لأن طبيعة النظام السياسي في مواثيقه علمانية، ولكن ما تحقق في هذه التجارب من صميم الإسلام وعمقه، فيما يتعلق بالاهتمام بالتنمية والاشتغال على تحديث النظم التكنولوجية، مهما كانت التسميات، رغم أن البعض لا يزال ينظر إلى تركيا على أنها رقم صهيوني في المنطقة، وسوريا تتهيأ تبعًا لذلك.