عين صالح.. الربوة المنسية التي لم تتحول إلى “دبي”
عين صالح.. “مدينة الغاز” لا شيء يدل على أنها كذلك، حياة بسيطة ممزوجة في كل مراحلها بحبات الرمل، طبيعة قاسية، تنمية غائبة تجاوزت الحرمان الذي تعيشه بعض المدن بالشمال بدرجات.. عين صالح “الصامدة”، تلك المدينة الهادئة التي لا تملك من المدينة غير الاسم، لم تعد هادئة مذ بلغ مسامع سكانها خبر شروع السلطة في استغلال الغاز الصخري بالمنطقة.. منذ ذلك الحين تحول الهدوء إلى غضب ونفور وشعور بالتهميش واللامبالاة..
القضية بدأت نهاية السنة في محاضرة تم تنظيمها بإحدى جامعات الوطن للحديث عن الطاقة البديلة، وكان التدخل لأستاذ تحدث عن الغاز الصخري وعدد فوائده وأضراره على الصحة الإنسانية وعلى الثروة المائية، ومن بين ما ذكر أيضا، أن السلطة قد شرعت بالفعل في عمليات التنقيب بمنطقة عين صالح منذ أشهر، المعلومة تلقفها أحد أبناء المنطقة ورفيقاه، ونقلوها على جناح السرعة إلى عين صالح، وهناك بدأ التحقيق حول صحتها، فثبت أن الأمر حقيقة بعد أن زار وزير الطاقة يوسف يوسفي غور محمود للإشراف على انطلاق عمليات التنقيب بالبئر الثانية “رأينا المكان وبما أننا أبناء المنطقة عرفناه وتأكدنا بأن ما نقله الطلاب حقيقة ونحن من كنا نعتقد أن الأمر يتعلق بأهانت البعيدة عن منطقة عين صالح وليس غور محمود” يقول “ع.ب”، واجتمع بعدها الأكاديميون والمتعلمون من أبناء عين صالح لتدارس الوضع والخروج بحل، فكان القرار أن يتم غلق الطريق ثم غلق مقر الدائرة، قبل اتخاذ قرار آخر تعلق بالاعتصام للمطالبة بوقف عمليات الاستكشاف، كان ذلك بداية السنة الجارية في الفاتح من شهر جانفي 2015.. واستمر الوضع على حاله إلى غاية اليوم..
عين صالح كانت غائبة أو مغيبة منذ سنوات فلم يحدث أن سجلت مشاكل أو احتجاجات أو اعتصامات من المواطنين مثلما يحدث في باقي أرجاء الوطن، مسالمة أبنائها جعلتهم يرجون شيئا واحدا هو العيش بسلام وفي استقرار.. فكان ذلك على مدار سنوات إلى أن تقرر التنقيب عن الغاز الصخري، فتحول الهدوء إلى فوضى داخلية يعيشها أبناء المنطقة بينهم في أرجاء عين صالح وبين ضلوع كل مواطن ينتمي إليها..
وتغيرت الحياة اليومية، باتخاذ قرار الاعتصام في الساحة، هناك حيث نصب الرجال خيما لتقيهم من حرارة الشمس وغضب الطبيعة حين تلفظ رمالها.. تلك المنطقة فقط ما كانت تدب بالحياة، أما باقي الأرجاء فهي مدينة “ميتة”، لا مرافق مفتوحة ولا سوق أسبوعية ولا حتى محلات يمكن قصدها لاقتناء الحاجيات، قرار كان قاسيا على السكان الذين لم يجدوا حلا سوى اللجوء إلى “العولة” اقتناء كميات كبيرة من المؤونة وتكديسها في المنزل إلى أن يحل الفرج، ومن لم يسعفه الحظ لإيجاد ممون فما عليه سوى التنقل إلى أدرار أو تمنراست لقضاء حاجياته، ولم يجد القادمون من ولايات أخرى للنشاط حلا، هل يبقون أم يغادرون إلى أن تهدأ الأوضاع وتعود الحياة إلى مجاريها فيعودوا إلى نشاطهم، قدموا من كل ولايات الوطن للعمل في الشركات البترولية أو للنشاط في مجال الخدمات.. لكن عملهم معطل شأنهم شأن أبناء المنطقة الذين تخلوا عن مناصبهم المرسمين أو المتعاقدين أو حتى أصحاب المهن الحرة.. كلهم جعلوا “الغاز الصخري” قضيتهم.. ولم يعد يهمهم الخصم من رواتبهم أو طردهم وتشريد عائلاتهم “نحن هنا من أجل قضية حياة أجيال المستقبل.. الأمر ليس تهكما أو لعبا، التكسير الهيدروليكي يؤثر على الثروة المائية وعلى الصحة العامة، لقد درسنا عن الأمر ونعلم أنه سيجعل من المنطقة حقلا للتجارب يعود على صحة أبنائنا بالوبال”، يقول أحد المهندسين رفض ذكر اسمه، “اطلعنا على ما نقلته الشاحنات إلى مكان الاستكشاف وما حملته المقطورات من مواد وصفت بالخطيرة، لقد حصلنا على كل المعلومات ونعلم أنها مضرة”.. هذا كان رأيهم الذي جعلهم لا يتراجعون.. “حتى السلطة ركبت رأسها ولم تفكر حتى بإقناعنا بما تنوي القيام به”.
التعامل بورقتي ألف وألفي دينار و”الفكة” مفقودة
أثرت “وقفة الصمود” على الحياة العامة، خصوصا على المعاملات التجارية، فلم يعد يملك أي تاجر بالمنطقة “الفكة”، وأصبح التعامل محصورا بين الورقة النقدية من ألف دينار وألفي دينار عدا ذلك لا يمكن البيع أو الشراء، وبات البيع إما بـ”القرض” أو بترك”الفكة” لدى البائع إلى حين فتح شبابيك مصلحة البريد التي لم تفتح أبوابها منذ أن تقرر “الاعتصام”..
رغم “الحصار” المفروض على المنطقة تجاريا، إلا أن الأسعار حافظت على استقرارها، اغتنمت “الشروق” فرصة فتح السوق اليومي، وتجولت في أرجائه، فلم يكن هناك فرق بين الشمال والجنوب في الأسعار فالبطاطا بـ 100 دينار، الطماطم “الأدرارية” بـ 50 دينارا، البصل بـ 100 دينار، الكوسة بـ 140 دينار، الثوم بـ 300 دينار، والخيار بـ120 دينار، فيما تراوحت أسعار الحمضيات بين 80 إلى 160 دينار، وعلق “رضوان” وهو أحد التجار القادمين من منطقة جيجل بأن الأسعار لم تتغير وحافظت على استقرارها، غير أن العائلات كانت متخوفة من إمكانية تسجيل ندرة في التموين، فقررت شراء كميات كبيرة للاحتياط.. أما المخبزة الوحيدة بساحة السوق فلم تغلق أبوابها مطلقا، بل حتى وإن كانت مغلقة، فإن البيع يتم وما على الراغب في الشراء سوى قرع الباب وتقديم طلباته.. وكان المتضرر الأكبر من الاعتصام باعة الملابس الذين تكدست سلعهم، يقول أحد باعة الملابس الرجالية إنه لم يخسر أموالا بسبب فتح المحلات مساء فقط ولم يربح بالمقابل شيئا “نحن الآن نسترجع رأس مال المحل فقط.. لا نبيع كثيرا ولا نجني الكثير”..
وعود مسؤولين “خائبة”.. والجيش يحفظ ماء الوجه
مر على الوضع شهران بالتمام، قبل أن تحدث مشادة بين الأمن والمحتجين، مازال التحقيق بخصوصها جاريا، وتطلب الأمر قيام بعض العقال بالاستنجاد بالجيش من أجل فض الاشتباكات وحدث ذلك بالفعل، وبدأت المشاورات مع مسؤولين في الأمن انطلقت مع قائد الناحية العسكرية السادسة، اللواء عثامنية، وتواصلت مع قائد القطاع العملياتي لعين صالح، العقيد عبد الرحمان هني، إلى أن استقر القرار على تخفيف حدة الاعتصامات و”الرأفة” بسكان المدينة بفتح مصالح الحالة المدنية، وشبابيك البريد والمحكمة وكذا عودة التلاميذ إلى المدارس.. فيما لم تقدم اجتماعاتهم بباقي المسؤولين أي نتيجة إيجابية، فهم يزورون المنطقة ثم يعودون أدراجهم إلى العاصمة وينسون كل شيء حتى وعودهم يخلفونها ـ هكذا يرى أبناء عين صالح كل من تعاقبوا على زيارة المنطقة ولم يجدوا لها حلا، عدا الجيش طبعا، فهو نصيرهم حسبهم ـ.
الأعيان غائبون.. وأطراف تصطاد في المياه العكرة
وإن تطلب الأمر طلب العون من الجيش، إلا أن الغريب هو أننا لم نجد لأعيان المنطقة أثرا، لا في الساحة ولا في اللجنة ولا في المشاورات ولا حتى في تهدئة الوضع، يقول أحد المتابعين للوضع إن الأمر خرج عن سيطرتهم بعد أن تعدى الاعتصام مجرد وقفة احتجاجية إلى شل المدينة وتعطيل مصالح المواطنين، “لا يمكنهم التدخل أولا لأنه لم تعد كلمتهم مسموعة بالقدر الذي كانت في السابق، وثانيا لأن بعض الأيدي استغلت الوضع لفرض منطقها غير المقبول، وبالتالي لا يمكن للأعيان أن يجاروا بعض الأفكار لذلك لم يظهروا طيلة هذه الفترة”..
تعفن الأوضاع الذي تحدث عنه العقال لم يكن أبدا يعني أبناء المنطقة المسالمين المعتصمين سلميا، بل يعني شيئا آخر، يعني تلك الأطراف التي استغلت الوضع لتمرير أفكارها سواء بتعطيل الحياة العامة أو بمنع تطور الأوضاع نحو الأحسن من خلال التشويش على الأهداف التي رسمت لها الوقفة وهي التوصل إلى قرار من السلطة لمنع التنقيب وفقط.. ويعلق بعض ممن تحدثنا إليهم على أن الأعيان أصبحوا موالين للسلطة ولم يعد يهمهم وضع المنطقة، وهو ما لم يشاركه في آخر لأن الأعيان قلوبهم على البلاد أكثر من أي شخص آخر حسبه “المشكل أنه لم تعد لكلمتهم أي معنى لذلك انسحبوا من كل شيء وهم يتابعون الوضع عن بعد”..
التشويش لم يتوقف عند هذا، بل تعداه إلى تخوف من تأثير الحركات الانفصالية على المحتجين واستغلالها للوضع لتسميم الأفكار، ومن ذلك “حركة أبناء الجنوب”، لذلك كان هم العقال من أبناء المنطقة التأكيد في كل مرة على أن الوقفة سلمية والأفكار اجتماعية محضة لا علاقة لها بالسياسة، تفكير تتقاسمه الأغلبية الساحقة التي تعمدت رفع العلم فوق كل خيمة وعلى سطح بعض المنازل وأمام كل تجمع لا لشيء سوى للتأكيد على اللحمة والوحدة الوطنية، وتوجيه رسالة لمن يسعون لاستغلال الوضع بأن “الاختراق مستحيل”.. وهناك تكفلت مصالح الأمن من بعيد بمراقبة الوضع عن كثب، شرطة، درك وجيش بمختلف فصائله، فالأمر يتعلق بجزء لا يتجزأ من الوطن، وخطأ بسيط يعني تحمل البلاد كاملة المسؤولية لذلك أصبح لكل تحرك تفسير ولكل حركة معنى، وبات المهم هو الحفاظ على استقرار المنطقة، وهي رسالة فهمها أبناء المنطقة فأصبحوا يرفضون استقبال أي شخص يتحدث باسم حركة أو حزب أو أي إطار آخر عدا إطار “الجزائرية”.
مقبرة خاصة لأبناء عين صالح في أدرار
وبالمحيط ترى “مدينة الغاز” أو المدينة الغنية بعيدة عن معايير التسمية بالمدينة.. عين صالح ليست كذلك، فالحديث عن مدينة غنية أو عن مدينة يعني الحديث عن تطور، عن حضارة، عن مشاريع كبرى بقدر غنى المنطقة، المدينة الغازية، غائبة عن قطار التنمية، التزفيت لم يمس جل أحيائها، حتى وسط المدينة لا وجود للزفت إلا في الطريق الرئيسي والبقية طرق رملية وأخرى ترابية..
التنمية، هذه الكلمة هي الأخرى لم نجد لها محلا من الإعراب، أبسط ظروف الحياة غير متوفرة، لا نتحدث عن الكماليات بل عن الضروريات، التخصصات بالمستشفى “معجزة” وأقرب مشفى يتوفر على متخصصين ذلك الموجود بأدرار على بعد أكثر من 400 كيلومتر، فأغلب أبناء عين صالح من مواليد أدرار، فإن فكرت أي سيدة في إنجاب طفل فعليها أن تفكر أولا أين ستنجبه ومن سيشرف على توليدها، هل تستقر لدى المحسنين بولاية أدرار أو في تمنراست، أم تؤجر في إحدى هاتين المدينتين في أواخر شهور الحمل، أو تبقى في عين صالح تنتظر ساعة الولادة لنقلها فإما تعود أو لا تعود، إن عادت لا ضمان لعودة المولود وإن عاد المولود لا ضمان لعودة الأم، هكذا يقولون هو الكلام السائد بين المواطنين الذين تحدثوا عن تخصيص جزء من مقبرة أدرار لأبناء عين صالح ممن لا يسعفهم الحظ للعودة إلى ديارهم سالمين بسبب المرض، لا لشيء سوى لأن الإصلاح الصحي لم يشملهم والحديث عن ترقية الصحة العمومية لا يعنيهم..
الأمر لم يتوقف عند التزفيت والعلاج فحسب، بل الغياب الكامل للمسؤولين الذين لم يفكروا في تخصيص أموال من الضريبة الجبائية للشركات الناشطة لترقية المنطقة ولم يكلفوا أنفسهم عناء توجيه أموال دعم مناطق الجنوب للتنمية الحقيقية، لم نجد أحدا منهم يزاول مهامه، فـ”المير” غائب منذ شهرين ورئيس الدائرة اضطرته الظروف للمغادرة أيضا بعد أن تعرض مقر سكنه للحرق عن كامله..
تعليقات المواطنين لم ترحم أحدا، فالمسؤولية يتحملها كل من تقلد منصبا ولم يكن بقدر ما خول له من صلاحيات، “صحيح أن الطبيعة قاسية ولكن لسنا أسوأ من دول الخليج من حيث الطبيعة، فلماذا لم يفكروا في تحويل هذه المنطقة إلى ربع ما تحولت إليه دول الخليج”.. فلا مرافق ترفيهية ولا أماكن يلجأ إليها هروبا من الطبيعة القاسية بل إن الشارع والأفكار السوداء هي من أصبحت سيد المواقف كلها، لذلك أصبح الهروب إلى الشمال من قبل الكثيرين حلا وجب اللجوء إليه في كثير من الحالات خصوصا بالنسبة للطلبة لأن المستوى التعليمي وكما يعلمه القاصي والداني مختلف وإن كان التعليم بالشمال ليس معيارا، غير أنه أفضل من ذلك السائد بالجنوب لغياب التخصصات وتلقين اللغات الأجنبية التي تعد عائقا يقف حجر عثرة أمام كل راغب في رفع مستواه وتقلد مناصب سامية.. صحة غائبة، تنمية مغيبة وتعليم في طريق التغييب، هي حقائق رواها أبناء المنطقة ونقلتها “الشروق” عل وعسى يتحرك حكيم يقول “نعم أخطأنا أو إننا محقون وأنتم المخطؤون وهذه البراهين”..