عَبيدُ الشهوات أفسدوا المجتمعات
ليس عيبا أن يرغب الإنسان في الزواج من أجل إشباع رغبته الجنسية على سنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام رغم أن جل الشباب ينفي الأمر ويربط زواجه بإتمام نصف الدين، هذا الدين الذي أمر الرجل بغض البصر والمرأة بالحياء والاحتشام لينظم علاقتهما في منظومة الزواج، الذي جعله فرضا على كل قادر،كما أمر كل من لم يستطع بالصوم والتعفف حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
لكن لا النساء احتشمن ولا الرجال غضوا أبصارهم، أما الزواج فأصبح ترفا لا يناله طالبه إلا بشق الأنفس وبذل الكثير الكثير من المال، فوقعت الفتنة التي حذر منها رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ قال “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ، وعم الفساد حتى صار من غير الطبيعي أن تجد شابا لا يرافق خليلته أو الفتاة لا تصاحب رفيقها، ولكم أن تسألوا الطرق والأزقة كيف كانت وكيف أصبحت، بل و صار الأمر بديلا لإشباع النزوات والشهوات دون التفكير في العواقب والمآلات، فإذا سألت الرجل قال لك لا أملك الإمكانيات للزواج ولا أملك القدرة على لجم النفس حتى وإن صُمت الدهر، وجعل ذلك مبررا لسفوره وانحرافه، أما الفتاة فتتحدث عن وجوب إتمام تعليمها وضمان مستقبلها بعمل استحقته نظير سنوات دراستها، لتفكر بعدها في الزواج برجل يتفهم وضعيتها، يكافؤ رتبتها، يحترم كيانها وحياتها الجديدة، بل ويضمن استقلاليتها، وإلى أن تجد الزوج المناسب تعيش حياتها منطلقة، تبرر لنفسها أن علاقتها مع آدم لا تتجاوز خط الصداقة، لكنها تغفل أن لعبة حب كثيرا ما كان عنوانها الصداقة وكلمة ختامها بطن منفوخة في الحرام.
طبعا لا شكا أن الكل حرٌ في خياراته رجلا كان أو امرأة، على أن يتحمل عواقبها، لكن هذا الواقع الجديد الغريب عنا أنتج لنا مجتمع فيه 12 مليون امرأة غير متزوجة وأكثر من 60 ألف حالة طلاق سنويا بالإضافة لـ 20 ألف حالة خلع، أضف إلى ذلك التأخر الكبير في سن الزواج عند الرجال الذي صار يتراوح متوسطه بين 30 و35 سنة، و مع تزايد عدد النساء بشكل أكبر من تزايد عدد الرجال والفكرة الخاطئة في المجتمع التي تقضي بأن على الرجل الزواج بامرأة تصغره بـ 5 إلى 8 سنوات، ما جعل المجتمع يحصي 5 ملايين امرأة عانس فوق 35 سنة، دون أن نحتسب عدد المطلقات، الخالعات و الأرامل.
هذا الواقع قنبلة موقوتة على المجتمع الذي صار الكلام فيه عن تعدد الزوجات محرما، رغم أنه الحل الأوحد لحل هذه المعضلة، فنساؤنا صارت تعتبر أنه من العادي (النورمال) أن يكون لزوجها صاحبة وخليلة يسكن إليها في النهار أو في بعض أيام العطل، على أن تكون لها ضُرة وله حليلة تشاركها فيه طول العمر، حلٌ صَدرهُ لنا الغرب واستسغناه فجعلناه أمرا عاديا وهو عند الله عظيم، مجتمع تفككت فيه الأسرة، غابت عنه السلطة الأبوية وتلاشى دور المدرسة والمسجد فيه، لتحل محلهم بدائل تكنولوجية تعد ولا تحصى تسهر على تربية أبنائنا وقيادتهم ليصبحوا نسخا طبق الأصل لمجتمعات غربية ظاهرها جميل وباطنها فراغ روحي و اجتماعي فضيع.. طبعا أنا لا أعمم لكننا تجاوزنا الخطوط الحمراء بأشواط.
المطلوب ليس القضاء على الغرائز الفطرية في الإنسان، بل تنظيمها وفق ما دل عليها المنهاج الإسلامي حتى لا تتحول إلى بهائمية حيوانية، في عصر صار المسلم يترك برنوس إسلامه في المسجد ليخرج إلى الشارع فيواجه المجتمع بوجه آخر، حتى تتوهم أنه مصاب بانفصام في الشخصية، ومهما ابتكرنا الأفكار، ربينا الأجيال وامتلكنا من وسائل فلن ننجح في انقاذ المجتمع من ما هو فيه إلا بتفعيل الفكرة الدينية في تركيب هذه العوامل، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.