الرأي

عِبَرٌ من حياة واستشهاد “روح الرّوح”

سلطان بركاني
  • 797
  • 0

في يوم الاثنين من الأسبوع الماضي، استشهد أحد رجال غزّة الذين أذهلوا العالم بطيب معدنهم وكانوا عبرة في حياتهم ومماتهم؛ قضى الشيخ خالد النبهان الملقّب بـ”روح الرّوح” نحبه إثر غارة صهيونية على مخيم النصيرات بقطاع الصّمود. ارتقت روحه التي نحسبها طيّبة طاهرة وعلت وجهَه الأنورَ ابتسامة هزّت الأرواح في شرق الأرض وغربها. خاتمة طالما تمنّاها هذا الرّجل وعمل لها، بعد أن قضى هذه الأشهر العصيبة في غزّة متشبّثا بحبل الله، ساعيا في بثّ الأمل في قلوب سكّان القطاع، مخففا وطأة الحرب المدمّرة على اليتامى والمشرّدين.

قصّة “روح الرّوح” دخلت كلّ بيت في العالم، وأسالت دموع المسلمين وغير المسلمين، وكانت مواقفه وسيرته وصبره وثباته سببا في إسلام العشرات بل المئات في هذا العالم.. برّه العجيب بوالدته، تعلّقه بأبنائه وأحفاده، عطفه بالحيوانات، حرصه على عمل الخير والبرّ، زيارة المستشفيات والربت على أكتاف المصابين وأسر الشهداء، توزيع الطعام والأغطية على النازحين، العطف على اليتامى… أعمال حفرت للشيخ خالد النبهان مكانا في قلوب النّاس، حتى غدا لَكأنّه ملَك يمشي على الأرض.. رجل عاش سهلا هينا لينا صبورا راضيا رحيما ودودا بشوشا، حتى أحبّه كلّ المسلمين، وتأثّر بمواقفه وكلماته غير المسلمين، ونحسبه ولا نزكّيه على الله ممّن قال عنهم النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام: “إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرِيلَ فقالَ: إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فأحِبَّهُ، قالَ: فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماءِ فيَقولُ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، قالَ ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ”.

قبل سنة، في شهر نوفمبر من العام الماضي 2023م، فقد الشيخ خالد حفيدته “ريم” في قصف صهيونيّ. كانت مهجة قلبه وأنس روحه، احتضن جسدها البريء المضرّج بالدّماء وقال قولته المشهورة: “هذه روح الروح”، وأردف كأنّه يخاطبها: “لن أتأخر في اللحاق بك يا روح الروح”.. وفعلا كان الأمر كما توقّعه؛ إذ لم يمكث بعد روح روحه سوى عام واحد.

رزقه الله أحفادا كالورود، فأحبّهم وتعلّق قلبه بهم، ثمّ ابتلاه بفقد بعضهم إثر قصف صهيونيّ مروّع، ورزقه صبرا عجيبا ذهل له العالم أجمع، وسالت له دموع الكافرين مع المسلمين، وعاش بعدها عاما يرى الأهوال ويبكي بقلبه لبكاء إخوانه المسلمين، ثمّ في النهاية أكرمه الله بشهادة ختم بها حياته تحت قصف صهيونيّ غادر.. لكأنّ الله الكريم –سبحانه- أراد أن يبلّغ هذا الرّجل منزلة رفيعة عنده، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “إنّ العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم يصبّره حتى يبلّغه المنزلة التي سبقت له منه”، وكأنّ العليم الحكيم –تقدّست أسماؤه- أراد أن يجعل سيرة هذا الرّجل صدقة جارية له بعد ارتقائه، تدلّ النّاس على أنّ المسلم الصّادق يمكن أن يعيش حياته خفيفا عفيفا مهما بلغت حدّة الفتن من حوله.

“روح الروح” ترك لنا بلسان حاله درسا بليغا مفاده أنّ هذه الدّنيا مهما توافرت لذّاتها وتوالت فتنها ومحنها، فهي قصيرة، وخير للعبد المؤمن أن يعيش فيها ضيفا خفيف الظلّ، لا يسيء إلى أحد ولا يؤذي أحدا. يسعى لأن تحبّه القلوب وتأنس به العيون، إذا رئي ذُكر الله، ممّن قال فيهم النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذكر الله” (صحيح سنن ابن ماجة).

حينما يتأمّل العبد ببصره أحوال الراحلين عن هذا العالم ويعاين ببصيرته كم هي حقيرة هذه الدّنيا، يتساءل: لماذا أعادي النّاس وأحقد عليهم وأحمل في قلبي البغض لهم؟ ألأجل دنيا فانية لن آخذ منها شيئا؟ لماذا يا ترى أنسى وصية مولاي وخالقي سبحانه: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ))؟ لماذا أنسى وصية شفيعي –عليه الصّلاة والسّلام-: “لا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا”؟ لماذا أنسى قوله –عليه الصّلاة والسّلام-: “أفضلُ النَّاسِ كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوق اللِّسانِ، قالوا: صدوقُ اللِّسانِ نعرِفُه فما مخمومُ القلبِ؟ قال التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه، و لا بغْيَ، و لا غِلَّ، و لا حسَد”، وقوله –صلّى الله عليه وسلّم-: “يَدْخُلُ الجَنَّةَ أقْوامٌ، أفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أفْئِدَةِ الطَّيْر”؟

سيرة “روح الروح” هي سيرة رجل واحد من أتباع النبيّ محمّد –صلّى الله عليه وآله وسلّم- لعلّ الله أظهرها للمسلمين في هذا الزّمان ليذكّرهم بسيرة قدوتهم وحبيبهم –عليه الصّلاة والسّلام-، فيتساءلوا: إن كانت هذه سيرة التابع فكيف بسيرة المتبوع؟ كيف بسيرة  أزكى وأطهر خلق الله –صلّى الله عليه وآله وسلّم- الذي كان يلاطف الأطفال ويلاعبهم وتأتي البنت الصغيرة فتأخذ بيده حيث تريد، وكان يبتسم لكل من يلقاه، ولا ينزع يده من يد مصاحفه حتى ينزع المصافح، ولم يضرب بيده طفلا ولا امرأة ولا عبدا ولا أمة ولا بهيمة؟ كيف بمن كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر؟ كيف بمن كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها وإذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه؟ كيف بمن كان يشفق على الكفار أن يصيبهم عذاب أليم ويدعو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا؟ كيف بمن كان لا ييأس من توبة عتاة المجرمين والمنافقين إلى آخر لحظة، وكلنا نعرف موقفه من عبد الله بن أبيّ بن سلول، حين ظلّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- يرجو أن يتوب الله عليه ويستغفر له إلى آخر لحظة، بل ووقف ليصلي عليه عند وفاته، حتى منعه الله؟

والله لو بلغت سيرة النبيّ محمد -عليه الصلاة والسلام- للعالمين كما هي، ما بقي على الكفر إلا معاند.. إنّنا نحن معشر المسلمين من أسأنا إلى النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- حينما خالفنا سيرته وحدنا عن أخلاقه!

أخيرا: خالد النّبهان –تقبّله الله في الشّهداء- ذكّرنا بشكل آخر من أشكال المقاومة والرباط، هو الصّبر والمصابرة وبثّ الأمل في قلوب المكلومين بنصر الله القادم، وهذا النّوع من المقاومة والرباط يلفت أنظار المنصفين في العالم إلى قضية الأمّة العادلة.. ولعلّ إخواننا السوريين في هذه المرحلة ربّما يختارون هذا النّوع من المقاومة، قبل أن يلمّوا شتاتهم ويستعيدوا عافيتهم، ويعودوا إلى دورهم ليكونوا ظهيرا قويا للمرابطين في أرض فلسطين.

لكن، من جهة أخرى، ينبغي ألا تنسينا سيرة “روح الرّوح” سير المجاهدين الذين حملوا أرواحهم في أكفّهم واختاروا درب الجهاد بالنفس والمال، منهم من قضى نحبه ومنهم من لا يزال يقارع العدوّ ويؤرّق ليله؛ فهؤلاء هم تاج الأمّة وفخرها، وهم الآخذون بالعزيمة في زمن الترخّص، ونحن مهما أعلينا ذكر علمائنا وصالحينا وأخيارنا، فلا ينبغي أبدا أن ندنيهم من منزلة المجاهدين والمرابطين في الأرض المباركة، قال تعالى: ((لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)).

يحقّ لنا أن نفخر بوجود رجل مثل “خالد النبهان” في هذه الأمّة، ونرجو له ولأمثاله المراتب العالية في الجنّة، لكن ينبغي ألا نقرنهم بأمثال أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي ونزار ريان ويحيى السّنوار، تقبّلهم الله جميعا في الشّهداء الأبرار.. المقاومة التي سار على دربها “روح الرّوح” لا ينكر أثرها إلا مكابر معاند، لكن ينبغي ألا ننساق لمن يريد أن يجعلها بديلا لمقاومة السّنوار وأبي عبيدة.

مقالات ذات صلة