غرداية ـ أثينا (الجزء الثاني)
من الواضح أن ما سمي الربيع العربي وقبله احتلال العراق وقبلهما التخلي عن تنفيذ اتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين.. لم تنجح في حماية المصالح الاستعمارية للدول الكبرى، رغم المجازر والكوارث التي حدثت ولا تزال تحدث في كل البلدان العربية، بل إن هناك نتيجة عكسية، فقد انتشر الإسلام والعربية في دول الغرب سواء أوروبيا أم أمريكيا، وحدث تسلل غير متوقع، ولم يبحثه أحد بجدية حتى هذه اللحظة، وهو انضمام العرب المسلمين المولودين في الغرب الذين تعلموا في مدارسه وتربوا في مجتمعاته إلى هذه الحركات المتشددة في البلدان العربية، وهو ما يعني:
1– أن الدول الأوروبية بفكرها الاستعماري عليها أن تعترف إما بفشلها في استيعاب الآخر وبالتالي في تطبيق الديموقراطية، وإما بأنها تربي في مدارسها ومجتمعاتها نوعا من الوحوش.
2– أن هؤلاء الأوروبيين المسلمين المضطهدين في البلاد التي هاجر إليها آباؤهم وأجدادهم رأوا أن الفرصة واتتهم لتغيير الوضع في بلدان آبائهم الأصلية التي تعتاش على ثرواتها بلدان هجرتهم، فيمسكون الثور من قرنيه بعد أن يرهقوه بالسهام.
وهكذا نحن الآن في وسط مشهد كاريكاتيري، فمن هو الذي يستطيع أن يؤكد هل دول الغرب مع الإسلام أم ضده؟ هل هي مع أم ضد داعش أو طالبان أو الاخوان أو مع الشيعة أو السنة أو مع إيران أو إسرائيل أو السعودية أو مع الأسد أو مع معارضيه؟ لا أحد يستطيع أن يؤكد أو ينفي لأن الغرب الاستعماري هنا لا يتلاعب بالأطراف، بل هو تائه بين الأطراف.. فالإسلام يزداد في داره والمتوحشون تربوا في حجره.. فهل أكثر من ذلك تيهٌ وفشل؟
وسط هذا الفشل في جعل الاسلام، خاصة في بلاد العرب، هو العدو الأكبر بعد الشيوعية التي كانت العدو زمن الحرب الباردة حتى سقطت. جاءت الغرب وفكره الاستعماري نخزة قوية من داخله الجغرافي. فاليونان وضعت الاقتصاد الأوروبي وعملته اليورو وكذا هيكله السياسي الاتحاد الأوروبي على طريق ليس في نهايته المرئية سوى نفق، أي إن هناك في الأفق تحالف صدفة مصلحيا بين حضارتين قديمتين تخشاهما أوروبا، هما حضارة اليونان وحضارة المسلمين، فماذا لو تطورت هذه الصدفة إلى مصلحة وربما سياسة وتغيّر مركز ما يسمى بالمتوسطية من فرنسا إلى اليونان؟ وماذا لو وجدت أثينا في ذلك دعما من الأطراف ومنها تركيا والجزائر؟
وهنا تبرز غرداية، فضرب الجزائر بالسلاح لم يعد مطروحاً، بل المطلوب تدميرها اقتصاديا، وغرداية تعني هنا أمرين:
1– التجارة الداخلية، فأهلنا في وادي ميزاب كما يعلم كل جزائري لهم اليد الطولى في التجارة الداخلية ومن خلالها التجارة الخارجية. وضرب غرداية يعني إضرارا كبيرا بالاقتصاد الجزائري وباستقرار المجتمع الجزائري.
2– الموقع الجغرافي، فإذا فشلت حكاية تيڤنتورين ومركّبها الغازي في إحداث شرخ سياسي بين جنوب الجزائر وشمالها رغم أنه فصلٌ يخطط له منذ خمسة عقود، فإن ضرب غرداية يعني إحداث شرخ ثقافي اجتماعي اقتصادي؛ فغرداية بوابة الجنوب وملتقاه التجاري والثقافي منذ آلاف السنين.
إذن فضرب غرداية يعني ضرب العمق الجزائري ومصادرة مستقبل الجزائر، ومنع أثينا من أن تكون مركز الفكرة المتوسطية الحضارية غير الاستعمارية التي تلوح بالأفق.
ماذا يعني ذلك؟
1– إنه يعني أن على الاستراتيجيين الجزائريين أن يخلصونا أولا وقبل كل شيء من هذه الإدارة الفرانكوفونية الرجعية المتخلفة وسلوك الإمّعات الذي تسلكه، فالدولة الجزائرية اليوم لديها من الكفاءات الوطنية وغير الفرنكوفونية والأكثر وعيا وفهما لوطنها وإقليمها والعالم حولها ما يجعلها في غير حاجة إلى هؤلاء الفرانكوفون وفكرهم المتخلف.
2– إنه يعني أن على الاستراتيجيين الجزائريين الدراسة الأعمق لمكونات الشعب الجزائري وعلاقتها ببعضها وبالحضارة والمدنية وبالإسلام وبالديموقراطية والعلمانية، فهذا الخطاب التافه السائد في إعلامنا الذي يخوّن طرفا ويكفّر آخر ويتغزل بثالث، هو خطاب لا يحمي دولة ولا يصنع مشروعا وطنيا.
3– إن على الاستراتيجيين الجزائريين أن يدرسوا ببالغ العناية تغير العالم رغم خطاب الدول الكبرى الموحي بأنها مسيطرة على هذا التغيير ومتحكمة فيه، فواقع الحال أن العالم يتغير في العمق بدءا بمجتمعات هذه الدول الكبرى وقبضة الفئات الاستعمارية الحاكمة تتراخى سواء في واشنطن أم لندن وخاصة باريس؛ كما في الرياض وبكين وسنغافورة، وأن الجزائر ليست نبتا شيطانيا وليست جزيرة منعزلة لا تؤثر ولا تتأثر.