الرأي

غزّة تكشف مدى حاجة الأمّة إلى العلماء الربانيين

سلطان بركاني
  • 1119
  • 0

مع ارتفاع وتيرة وحدّة الجرائم الصهيونيّة في قطاع غزّة ضدّ العزّل من النّساء والأطفال، جعل المسلمون يلتفتون يمنة ويسرة، ويقلّبون المواقع والصّفحات بحثا عن بيانات قوية تصدر عن علماء “أمّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر” في النّازلة المفجعة، تُبيّن -بكلّ وضوح- الواجب على كلّ أفراد الأمّة حكاما وعلماء ودعاة وأئمّة وعامّة، وتجلّي حكم الشّرع فيما تفعله بعض البلدان المتعاونة مع المحتلّ الصهيونيّ، وحكم ما يبديه بعض المنتسبين إلى الأمّة من طعن في أبطال المقاومة، وحكم الصّمت المطبق الذي لاذ به أغلب علماء المسلمين!
كان عامّة المسلمين قبل هذه النّازلة يسمعون أوصافا تلصق ببعض علماء الأمّة تشرئبّ لها الرقاب وتُرخَى لها الأسماع، من قبيل “كبار العلماء”، وكانوا يتلقون فتاوى أولئك العلماء المتعلّقة ببعض مسائل العقيدة والفقه والمعاملات والعادات، بالقبول، مهما كانت مخالفة لمذهب بلد العامّة، ومهما كان العلماء يخاطبون فيها “العوامّ” بكلّ صرامة ووضوح؛ فالإسبال عند بعض أولئك العلماء أضحى كبيرة من الكبائر، وحالق اللحية أولى في حقّه أن يختصي لأنّه لم يعد رجلا، ومن ترفض زوجته لبس النقاب يجب عليه طلاقها، وهكذا… لكنْ عندما تعلق الأمر بدماء وأشلاء الأطفال في الأرض المباركة، وتعلق بموقف الشرع مما يفعله بعض الحكّام من تواطؤ مع المحتل ومسارعة في طلب رضاه، إذا بأولئك العلماء يلوذون بالصمت، بحجة أن نصيحة الحكام لا يجوز أن تكون علنا!
لقد عاد كثير من المسلمين لمراجعة تلك الألقاب التي كان يُغدق بها على بعض العلماء، ليعيدوا فيها النظر، فعرفوا أنها ألقاب لا تحمل تحتها أيّ حقيقة، بل هي ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان وما عرفها المسلمون خلال قرون مضت، ولا يَبعُد أن يكون من وضعها أراد من خلالها التوطئة لهذه النكبة التي تعرفها الأمّة في علمائها، فلطالما ألجم بها علماء أنكروا المنكرات وما رضوا بأن يسكتوا عن قضايا الأمّة الكبرى؛ ألجموا بهذه الألقاب، وقيل لهم: هل أنتم أعلم بدين الله من كبار العلماء؟!
الأمّة في تاريخها كانت تعرف صنفين من العلماء: علماء ربانيين، وعلماء هوى.. فالعلماء الربانيون يطلبون رضا ربّهم ولا يلتفتون إلى أهواء الحكّام ولا رغبات العامّة.. يقولون الحقّ سواء كان على الحاكم أو على المحكوم، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا.. في مقابلهم علماء هوى، منهم من يطلب رضا العامّة ويسعى في تطويع شرع الله ليوافق واقع الناس المبتعد عن شرع الله، ومنهم من يطلب رضا السلطان أو يخشى سطوته، فيبحث بين الروايات والنصوص والأقوال عمّا يمكن أن يبرّر للحاكم صنيعه، أو يبرّر للعالم سكوته! وهذا الصنف هو ما كانت الأمّة تعرف له لقبا واحدا هو “عالم السلطان”، وكانت ترى فيه آكلا للسحت والحرام وأسوأ حالا من آكل الربا، لأنّه يأكل الدنيا بدينه..
وقد ابتليت لأمّة في تاريخها بكثرة كاثرة من هذا الصنف من العلماء، نكتفي بإيراد ما خطّه قلم أحدهم في تبرير صنيع السلطان الأيوبي “محمد بن العادل” الملقب بـ”الكامل” حينما سلّم بيت المقدس للصليبيين سنة 626هـ/ 1229م، للإمبراطور الألماني فريدريك الثاني الذي قاد الحملة الصليبية السادسة! قال هذا العالم: “كان الانبروز (الإمبراطور) طاغية الفرنجة وعظيمهم خرج بجمع كثير إلى الجزائر والسواحل، وخيف على بلاد الإسلام منهم، فاجتهد السلطان الملك الكامل رأيه وصالحهم صلحا تاما رآه مصلحة للمسلمين وغنيمة لهم، فكان راعي هذه الأمة المحمدية، وسلطان الملة الإسلامية، ومن أعزّ الله تعالى به الدين وأهله، والمأمون عليهم، والناصح المشفق عليهم، ففعل ما رآه مصلحة وغبطة ترجّحت في نظره راعاها، وصالح الفرنج على أن يسلّم إليهم البيت المقدس حرسه الله تعالى وحده، من غير تسليم شيء من أعماله ولا بلاده قليلا ولا كثيرا، وشرط عليهم أن لا يجددوا فيه شيئا ولا سورا ولا دورا ولا يتجاوزوا خندقه، وأن تقام فيه الجمعة للمسلمين المقيمين به، ولا يُمنع مسلم من زيارته كيف أراد، ولا يؤخذ من زائر مال أصلا”!
نصوص القرآن تنطق -في وضوح تامّ- بأنّ العالم الرباني هو من يقول الحق لا يخشى في الله لومة لائم، ومن ذلك قول الله -تعالى-: ((الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)) (الأحزاب: 39)، ومنها أيضا قوله -عزّ وجلّ-: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون)) (المائدة: 44)، والرابط بين الآيتين هو وصف العلماء الربانيين بأنهم يخشون الله ويطلبون رضاه وحده.
هذا هو الحق الواضح، لكنّ هواة الخطف روّجوا في الأمة تعريفا آخر للعالم الربانيّ جعلوه الأصل والفصل، ألغوا معه كلّ التعريفات الأخرى، هو: “العالم الرباني هو الذي يربّي النّاس بصغار العلم قبل كباره”، وهذا القول حق، خطّه الإمام البخاري -رحمه الله-، وله وقته وأوانه، لكنّ هواة الخطف أصبحوا يُشهرونه في كلّ وقت، بما في ذلك الأوقات التي تنزل فيها بالأمّة نوازل تحتّم على العلماء الجهر بكلمة الحق، ليظهر قولهم ساطعا قاطعا لا مداراة فيه ولا تقية! إذ بها تفاجأ بكثير من علمائها يحجمون عن الكلام لائذين بقول الإمام البخاري، وربما يتكلم بعضهم بغير الحقّ! وفي مثل هؤلاء يقول سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام: “من نزل بأرض فشا فيها الزنى، فحدث الناس عن حرمة الربا، فقد خان الله ورسوله”.

مقالات ذات صلة