غزّة تُدمي القلوب وتهزّ الأرواح
لا تزال غزّة تدافع عمّا تبقّى من شرفنا الذي داسه الصهاينة، ولا تزال تدفع ثمنا باهظا من دماء وأشلاء أبنائها وشيوخها وحرائرها لتوقظ الأمّة من سباتها.. جباليا وبيت لاهيا شمالي غزّة تتعرّض لإبادة جماعية قلّ نظيرها في تاريخ البشرية، والصور التي تأتي من هناك لا يقوى على النظر إليها إلا أصحاب القلوب القوية؛ صور نساء وأطفال وشيوخ سالت دماؤهم وتقطّعت أوصالهم وتناثرت أشلاؤهم، حتّى أمسى إخواننا هناك لا يصلّون على جنازات كاملة إنّما يصلّون على ما بقي من الأجساد المتفتتة!
إن نسي العالم الذي لا زالت فيه بقية من حياة، فلعلّه لا ينسى تلك الطفلة الصغيرة التي هامت على وجهها تحمل أختا لها أصغر منها جريحة خائرة القوى من الجوع والفزع، تسير من دون وجهة بحثا عن مكان آمن في قطاع لم يعد فيه مكان آمن، بعد أن أصبح العدو المجرم يستهدف الخيام التي تؤوي النازحين، والمدارس التي يلجأ إليها المدنيون، ولم تسلم من إجرامه المستشفيات التي تستقبل المصابين، ولا سيارات الإسعاف التي تنقل الجثامين.. يقتلون الأحياء ويفتّتون الأموات.. ((وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).
أمّا عن التجويع فحدّث بكلّ حرج وألم! مسؤول في وزارة الصحة بغزة يصرّح قائلا: “عددٌ من المدنيين ماتوا جوعا وعطشا داخل منازل في جباليا بسبب الحصار المستمرّ”! حتى برنامج الأمم المتحدة للأغذية أقرّ بأنّه لم يدخل إلى غزّة في شهر أكتوبر الجاري سوى 20 % من احتياجات سكانها الضرورية.
ومع التجويع يمارس العدوّ البغيض التهجير القسريّ على أهالي غزّة، وها هي كاميرات العالم تنقل صور المهجّرين الذين ما عادوا يجدون مكانا يأوون إليه، بعد أن سويت دورهم ومساكنهم وحتى المدارس التي يلجؤون إليها بالأرض، وحتى الخيام أحرقت على رؤوسهم.. مهاجرون، لكن لا يثرب ولا أنصار!
وكأنّ هذا العدوّ يتحدّى العالم كلّه، بل قد تحدّى رئيس وزرائه الله جلّ في علاه، فقال: سننتصر على محور المقاومة ولو كان الله معهم! تماما كما قال قوم عاد من قبل: ((مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون)).
كلّ هذا ولا يزال في الأمّة من يلوم حماس أنّها هي من بدأت باستفزاز العدوّ الصهيونيّ، وهي من تسبّبت فيما يحصل للمدنيين! وكأنّ هذا العدوّ لا يحتلّ الأرض المسلمة المقدّسة المباركة! ولم يكن يدنّس المسجد الأقصى! وكأنّه لم يكن قبل طوفان الأقصى يحاصر المسلمين في غزّة ويهجّرهم من بيوتهم ويعطيها المستوطنين اليهود، ويستهدف المسجد الأقصى ويطارد الأحرار في الضفة، ويبني المزيد من المستوطنات ويزحف على ما بقي من أراض في فلسطين!
أيّ دين هذا الذي يسوّغ لنا أن نلوم حرّا قام لطرد من يحتلّ أرضه ويحارب دينه؟ لو أنّ الأفغان سمعوا لكلام المثبّطين الذين يقولون: لا تستفزّوا أمريكا فأنتم لا تقدرون على مواجهتها! هل كانت أفغانستان المسلمة لتتحرّر من رجس العدوّ الأمريكيّ الصليبيّ وترتفعَ فيها راية “لا إله إلا الله محمّد رسول الله”؟ ولو أنّ آباءنا في الجزائر سمعوا كلام الخائنين والخائرين الذين كانوا يقولون للمجاهدين: هل تريدون أن تنتصروا على فرنسا ومِن خلفها الحلف الأطلسيّ؛ هل كانت الجزائر لتتحرّر من دنس المستعمر الفرنسيّ الكافر؟!
الله لم يكلّف عباده المسلمين بأن يعدّوا قوة تضاهي وتوازي قوة عدوهم، إنّما كلّفهم أن يعدّوا ما يستطيعون من قوة، وأن يحاربوا بما في أيديهم مستعينين بالله، والله يتولّى نصرهم.
إنّها لمحنة عظيمة ابتلينا نحن الآمنين في بيوتنا بحضورها وشهودها، ونحن لا نملك إلا الكلام، ومنّا من هو مستمتع بدنياه طولا وعرضا، ومنّا من هو مستمرّ فيما هو فيه من التفريط والتقصير والنوم عن الصلاة وأكل الحرام، واللهث خلف الشّهوات والعكوف على التفاهات ومتابعة التافهين.. ومن المسلمين من يتمايل طربا في حفلات الطرب، بينما إخوانه يصيحون فزعا وتتناثر أشلاؤهم في أرجاء غزّة.. حتّى صار بعض الصهاينة يشمتون بشباب الأمّة، ويتساءلون مستهزئين: أ هؤلاء هم الشّباب الذين تنتظرون منهم أن يحرّروا فلسطين ويقاتلوا إسرائيل وأمريكا؟!
الصهاينة الذين يشمتون بشباب المسلمين وبناتهم المتمايلين في الحفلات، يعلمون جيّدا أن حال شباب الصّهاينة في الأرض المحتلّة أسوأ من حال شبابنا؛ شبابهم غارق في أوحال الخمور والمخدرات والتفاهات وحتى الشذوذ، ويجرجَرون إلى التّجنيد مكرهين وهم يبكون، ويتبولون في سراويلهم فزعا وذعرا، ولولا الحبال الممتدة إلى الصهاينة من الغرب وبعض العرب ما بقي الكيان الغاصب في أرض فلسطين شهرا واحدا.
وفوق ذلك نقول للصهاينة الشامتين: شباب الأمّة الذين سيحرّرون الأقصى ويردّون الصّاع لليهود صاعين، يتربّون في حلقات القرآن وفي الخنادق، وإن لم يكن النصر على أيديهم فسيكون على أيدي الأبناء الذين رأوا المجازر والأهوال التي ارتكبها العدو الصهيونيّ في حقّ آبائهم وذويهم.
لكن ينبغي من جهة أخرى أن نعترف بأنّ العدوّ قد قرّت عينه بملايين الشباب الذين تركوا الصلوات وهجروا المساجد واتبعوا الشهوات وعكفوا على التفاهات! وأعداد هؤلاء ليست قليلة.. ويكفي أن نعقد مقارنة بين عدد الشباب الذين يهتمّون بالعلم والجدّ والنّفع والخير والصّلاح على مواقع التواصل، وعدد نظرائهم اللاهثين خلف أخبار اللاعبين والفنانين والتافهين، لنفاجأ بأنّ اللاهثين خلف التفاهة أكثر عددا ونشاطا!
إنّنا نرجو أن توقظ هذه المحن التي تمرّ بها الأمّة ضمائرنا وضمائر شبابنا وتحرّك نخوتهم ودينهم، كما تحرّكت النّخوة والدّين في قلب أبي محجن الثقفي في يوم القادسية (15هـ)، يوم رأى المسلمين يكابدون العدوّ على أرض المعركة، بينما هو مكبّل بالقيد بسبب الخمر التي شربها، فتوسّل إلى زوجة سعد بن أبي وقاص لفكّ قيده.. وحين فكّت أغلاله انطلق كالأسد إلى صفوف الأعداد يضرب ذات اليمين وذات الشّمال، حتّى عجب المسلمون لشدّته وبسالته وبأسه وظنّوا أنّه ملك، فاشتدّت عزيمة المسلمون فمالوا على عدوّهم وأذاقوه حرّ الحديد وانتصروا بفضل الله.. وفي آخر المساء عاد أبو محجن إلى قيده، وعندما سمع القائد سعد بن أبي وقاص بأمره أتاه فقال: لله عليّ ألّا أجلدك مرّة أخرى، فقال أبو محجن: وأنا لله عليّ ألا أشرب الخمر مرّة أخرى.
هذا هو المرجوّ منّا جميعا؛ أن يقول كلّ شابّ من شبابنا: إخواني يقتّلون ويبادون وأخواتي المسلمات يبكين ويصرخن وأنا ألهث خلف التافهات في التيكتوك والفايسبوك والماسينجر؟ حرام وعيب وعار عليّ.. يقول الشابّ: إخواني في غزّة يحاصرون ويجوّعون وأنا أنفق مالي على المخدّرات والمهلكات! لا والله لن أعود إليها أبدا.. وتقول الفتاة المسلمة: أخواتي المسلمات يشرّدن ويَطوين بطونهنّ جوعا ويذرفن دموعهنّ حسرة، وأنا لا همّ لي إلا اللباس والماكياج ومنافسة القريبات والجارات والصديقات في الدّنيا الفانية.. كفاني والله كفاني.
غزّة محنة، أراد الله لها أن تطول عسى قلوبنا تلين ونفوسنا تخشع وتتوب.. محنة غزّة طالت لتتمايز الصفوف ويأخذ كلّ واحد طريقه.. ونحن الآن نرى حجم الدّخن الذي خرج من بين صفوف الأمّة، ونرى كيف خرج المنافقون من بين صفوف الأمّة كالحيات والعقارب، يسلقون المجاهدين بألسنة حداد أشحّة على الخير، تماما كما كان المنافقون الأوّلون يفعلون.
غزّة تهزّ أرواحنا ونفوسنا وأجسادنا لعلّنا نستيقظ، وقد آن لنا أن نستيقظ.. إنّه لا يكفينا ولا يعفينا أن نتحدّث عن بعض حكّام العرب ونستنكر فعل المتخاذلين والخائنين، ونستشنع فعل وقول من يتشفى باستشهاد المرابطين والمجاهدين، بل لا بدّ لكلّ واحد منّا أن يسعى ليبذل شيئا من ماله ووقته وجهده لنصرة غزّة.. واجب علينا أن نجعل لغزّة شيئا من أموالنا، ونحدّث أنفسنا بجهاد اليهود ونتمنّاه وندعو الله به، ونقاطع ما يمكننا مقاطعته من بضائع الشركات التي تدعم الصهاينة.
النّصر آت بوعد الله، ونشعر أنّه الآن أصبح قريبا أكثر من أيّ وقت مضى، والعلم عند الله، خاصّة ونحن نرى العدوّ الصهيونيّ المجرم قد بلغ في إجرامه وجروته حدا لم يبلغه من قبل.. عندما أصبح رئيس الوزراء الصهيونيّ يتحدّى الله جلّ في علاه، فلنبشر بالنّصر.. نتنياهو لن يعود آمنا في بيته، والمستوطنون مُلئوا رعبا، وصفارات الإنذار قد دوّت في الأرض المحتلة أكثر من 28500 مرّة خلال هذا العام.
النصر آت، لكن ينبغي لكلّ منّا أن يقدّم كلّ ما يستطيع، ويكون كأحسن وأصلح ما يستطيع أن يكون.. هذا أوان الفرار إلى الله، وهذا هو الأوان الذي ينبغي فيه لكلّ واحد منّا أن يقول: أنا هو سبب ما يحدث لإخواني في غزّة.. تقصيري في ديني، وتفريطي في حقّ ربّي وإصراري على المعاصي هو سبب تأخّر الفرج والنّصر عن غزّة.