غلبني رمضان!
كلما عاد شهر الصيام والقيام، عادت معه يافطة “غلبني رمضان”، وعادت معه أيضا قصة “ولـّي مور رمضان”، والحال أن أغلب الجزائريين، يدخلون في عطلة مدفوعة الأجر.. في الإدارات والمصانع والأسواق والمحلات والشوارع، وحتى زحمة المرور تتضاءل وتستسلم للنوم!
هكذا هو رمضان.. الجميع صائم، الكلّ نائم: المشاريع نائمة، والوزارات نائمة. وبعملية حسابية بسيطة لا تتطلب آلة الحساب، فإن كلّ شيء يتوقف من أجل لا شيء، وكلّ شيء مؤجل إلى غاية انتهاء رمضان وبعده العيد، وبعدهما موسم العطل الصيفية، التي لا تنتهي إلا عند حدود سبتمبر!
سبتمبر بالنسبة إلينا، هو الدخول الاجتماعي والدخول المدرسي، حيث تـُستأنف الحركة وتدبّ مجدّدا، وتعود الحياة إلى المشاريع المحنطة وتلك التي تمّ دفنها حيّة ترزق في مقابر سوء التسيير والصفقات المشبوهة والتقاعس والإهمال والرشوة والبيروقراطية والمحسوبية!
أغلب الموظفين والعمال والإداريين والمواطنين والتجار، “غلبهم رمضان“، ولذلك يتنصل الوزراء والولاة والأميار “الهفافين” من وعودهم وعهودهم، يُشعل التجار “عديمو الذمة” النار في الأسعار، وتستيقظ “فتنة” الاعتداءات والجرائم المختلفة والسرقة.. لعن الله من أيقظها!
ولأن “رمضان غلبهم“، يمسح هؤلاء وأولئك الموس في الشهر الفضيل، البريء من كلّ الترهّلات والانحرافات والانزلاقات التي لا علاقة لها لا بالصيام ولا هم يحزنون، لكن كلما عاد رمضان عادت هذه الأنشودة التي لا يسمعها أمير ولا غفير ولا تنفع لا للشهيق ولا للزفير!
مصيبة الكثير منّا، للأسف، أننا نبحث عن الأسباب والمبرّرات، لـ “تحليل” الجشع والطمع والنهب والنصب والكذب، في شهر تصفـّد فيه الشياطين، لكن البحث عن الربح السريع، والتهرّب من المسؤوليات، يجعل أفرادا وجماعات يفتون لأنفسهم ويُكيّفون الحلال والحرام حسب أهوائهم ومنافعهم، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم!
جزائري شاهد صينيا يجتهد ويكدّ في ورشة بناء فقال معلقا وساخرا: “ما راهش صايم“(..).. لكن هل نافس عمالنا عمالهم خلال الـ 11 شهرا من شهور السنة الميلادية والهجرية دون شهر رمضان؟.. أعتقد مثلما تعتقدون، أننا “نائمون” في رمضان وشوال وشعبان ورجب، وفي جانفي ومارس وديسمبر وأوت، وتكاد تكون كلّ شهورنا عطلة!
ثورة ذهنيات وانتفاضة أخلاق وضمير، هي وحدها الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها.. وأكتفي بهذا الحدّ حتى لا أقول أو أتّهم بأن “رمضان غلبني”!