غوركوف المحظوظ وإرث من كنوز
من النادر أن يترك مدرب فريقا ناجحا، الطبيعي في دنيا كرة القدم أن يترك المدرب فريقه عندما تنهار النتائج أو يفشل في إحراز البطولات.. ويكون قرار رحيله اختياريا في أحايين قليلة وإجباريا في معظم الأوقات.ولذلك أرى الفرنسي كريستيان غوركوف المدير الفني الجديد لمنتخب الجزائر لكرة القدم محظوظا للغاية.. لأنه يتسلم فريق الخضر وهو في أعلى مستوى ومكانة له قاريا وعالميا على مر العصور.وأتذكر على الفور المدرب الاسباني الراحل تيتو فيلانوفا الذي تولى المهمة خلفا لمواطنه غوارديولا مع نادي برشلونة في عام 2012 بعد موسم أسطوري للفريق الكاتالوني.. ثم نال جوارديولا نفس الحظ الطيب عندما جاء مديرا فنيا لبايرن ميونيخ الألماني خلفا ليوب هينيكس عام 2013 بعد أن نجح مواسم بايرن ميونيخ طوال تاريخه.
غوركوف يعيش اليوم حالة من السعادة والقلق ومن الطموح والخوف.. لأن الإرث الرائع الذي تركه المدير الفني السابق البوسني وحيد خليلوزيتش يمثل جانبي النعمة والنقمة على أي مدرب يخلفه.
نعمة وفرة النجوم الأكفاء في كل المراكز وجماعية الأداء التي قارعت أكبر فرق العالم وخبرات المباريات الصعبة.. ونعمة وجود شخصية قوية لمنتخب الخضر في الملعب وتحولهم إلى اللعب الهجومي الذي عكسته وفرة الأهداف في نهائيات كأس العالم.
تلك النعم وهي أقرب إلى الكنوز في عالم كرة القدم تمنح غوركوف سعادة قصوى وتزيد من سقف طموحاته في البطولات القريبة.. وبدايتها مع تصفيات ثم نهائيات كأس الأمم الإفريقية 2015 والتي تقام مطلع العام المقبل في المغرب.
ولكن الأمر يتحوّل سريعا إلى نقمة بما يحمله هذا الإرث النفيس من ضغوط على كاهل المدرب الجديد لتحقيق نفس الانجازات وتقديم نفس العروض ومضاهاة النتائج والأهداف التي قدمها الخضر للعالم في مونديال البرازيل.. ومع ازدياد الضغوط يتحوّل الأمر عند المدرب إلى قلق أو إلى خوف من الفشل أو من تدني المستوى، مما قد يدفعه إلى تحفظ في المخاطرة وفي طرق اللعب.
غوركوف يكفيه في البداية أن يحتفظ بنفس تشكيلة الخضر في مبارياتهم في المونديال بلا أي تغييرات لضمان توافر التفاهم بين اللاعبين.. وكما يقول المثل العربي الدارج (إلي تكسب به العب به).. أي لا تغير فريقا ناجحا بلا داع.
ولكن الأمر يتطلب من غوركوف نظرات فاحصة ودائمة على مباريات الدوري المحلي لانتخاب الأكفاء من الأندية وضخهم كدماء جديدة واعدة في المنتخب.. ومن المهم أيضا أن يمنح نجوم الجزائر المنتشرين في أوروبا جزءا من وقته لمتابعتهم والوقوف على مستواه لعله يستفيد من بعضهم لدعم الخضر مستقبلا.. ويحسب لخاليوزيتش بكل الخير أنه اكتشف عددا من اللاعبين الجزائريين من أندية أوروبية ومنحهم الفرصة واعتمد عليهم وصنع منهم نجوما.
غوركوف المحظوظ لن يعاني من أي نقص في أي مركز ولا يمثل الاعتزال الدولي لكابتن الفريق مجيد بوڤرة أزمة أو خللا.. ولم يشارك بوڤرة في المباراتين الأخيرتين أساسيا ويمكن لسعيد بالكلام أن يعود باقتدار قلبا للدفاع، كما أن الثنائي رفيق حليش ولياسين كادمورو جاهزان للمهمة أيضا.. ولكن المدرب الفرنسي الجديد كسب شهرته مع لوريون الفرنسي بشجاعته وبراعته في اختيار اللاعبين الشبان والدفع بهم بجرأة كبيرة وتقديم بعضهم ليكونوا نجوما في المستقبل.. وهو الأمر الذي يطلبه الجزائريون بشغف من غوركوف خلال سنوات عمله مع الخضر.
في النهاية يمكننا تلخيص الأمر في بعض الحقائق:
أولها: أن غوركوف محظوظ بالإرث الرائع للخضر.
وثانيها: أن الفرنسي سيتعرض لضغوط هائلة من كل جانب.
وثالثها: أن اكتشاف وجوه جديدة وضخها في المنتخب هو أهم العناصر التي يحتاجها الجزائريون من غوركوف.
ورابعها: أن الفوز بكأس الأمم الافريقية 2015 هو عربون المحبة الذي يمكن أن يقدمه المدرب الفرنسي للجماهير الجزائرية لتضعه بكل الحب في نفس المكانة الدافئة التي يرقد فيها خليلوزيتش الآن.