فارح مات حين أوقفوا برنامج لغتنا الجميلة
شهد مقر يومية الشروق السبت ندوة تأبينية لفقيد العربية والتربية الشيخ محمد فارح رحمه الله، ونفس الأشخاص تقريبا الذين حضروا قبل عامين من الأمس الندوة التكريمية التي أقامتها يومية الشروق اعترافا بجهود وجهاد الشيخ محمد فارح كانوا بالأمس معنا تحدثوا جميعا عن جهود الشيخ محمد فارح ودوره في المحطات الكبرى التي عرفتها الجزائر، تحدثوا عن شجاعته وعفته، عن جهاده واخلاصه، لكن عائلته اكدت انه حين اوقفت الإذاعة الوطنية برنامجه “لغتنا الجميلة” أصيب بصدمة قوية لم يتمكن اطباؤه من التقليل من اثرها عليه، وسبب الصدمة حسب ما ذكر الحاضرون لم يكن ماديا، لأن الشيخ فارح لم يكن يطالبنا بسنتيم مقابل هذا البرنامج رغم انه فاز بالجائزة الأولى في مسابقة للبرامج الإذاعية العربية، بل حجبه بعد هذه الجائزة هو الذي عمق صدمة ابن الميلية…
.
عائلة الراحل:
قرار إيقاف برنامجه الإذاعي سبب له صدمة لم يشف منها
أكد فريد فارح، نجل المرحوم محمد فارح، ان الحالة الصحية لوالده تدهورت بعد الصدمة التي تلقاها اثر توقيف حصته “لغتنا الجميلة؛، التي كانت تبثها القناة الإذاعية الوطنية الأولى التي كان يعدها.
يروي الابن فريد أن حالة والده ساءت بعد اقصاء برنامجه “لغتنا الجميلة” الذي كانت تبثه القناة الاولى، وأضاف فريد ان والده كان يعاني من مرض عصبي يدعى “الباركينسون” واخبره الطبيب الذي كان يشرف على علاجه ان الطريقة الوحيدة التي يمكن ان تخفف عنه هو بذل مجهود فكري، وتابع فريد الذي لم يتمالك نفسه وأجهش بالبكاء: “ولكن بعد ان حرم من مواصلة اعداد الحصة زادت حالة والدي سوءا”.
وتحدث فريد ان من اهم ما عرف عن والده هو تصحيح الاخطاء، حيث قال في هذا السياق : “تصحيح الاخطاء اللغوية كان بمثابة الاوكسجين الذي يستنشقه، حيث كان يقوم بذلك في كل الاماكن واين ما حل”.
وذكر فريد ان والده كان يكتب بشكل يومي في بداية مرضه ولا ينام الا اربع ساعات في اليوم، ويقضي بقية وقته في العمل والكتابة والقراءة، مشيرا الى حرصه الشديد على الوفاء لقرائه قائلا: “كنت ساعي بريد والدي أقوم بنقل ما يكتب الى المطبعة، وحدث في احدى المرات ان اخبرته انني لا يمكن ان اوصل ما كتبه الى المطبعة لانني سأتأخر عن الاختبار، فقال لي اذهب الى المطبعة وبعدها الى الامتحان وما كان علي الا ان امتثل لأوامره”.
ووجه نجل المرحوم محمد فاح، خالص عبارات الشكر الى جريدة “الشروق”، مؤكدا ان والده كان يقرؤها يوميا الى ان افشله المرض واصبح يعجز عن القراءة.
ومن جهته اضاف نذير فارح -ابن اخت شيخ اللغة العربية محمد فارح- أن عالم اللغة العربية الراحل، اصيب بخيبة امل شديدة عندما فوجئ بقرار توقيف برنامجه “لغتنا الجميلة”، ورفض أي وساطة من اجل عودة البرنامج الذي ظفر بالجائزة الاولى في مهرجان اتحاد الاذاعات والتلفزيونات العربية لانه كان يرى في ذلك اهانة له.
وأضاف فارح “صدم محمد فارح بقرار وقف البرنامج الذي اصدرته وزارة الثقافة والاعلام في ذلك الوقت، ورغم ذلك فقد رفض أي وساطة وقال لنا البرنامج ناجح ولا يحتاج لمن يدافع عنه”، واوضح المتحدث في سياق متصل: “الذي اوقف البرنامج لم يستهدف محمد فارح بل استهدف الشخصية الوطنية في حد ذاتها”، وتابع: “عندما تولى عز الدين ميهوبي، وزارة الاتصال سعت بعض الاطراف من أجل إعادة البرنامج إلى الشبكة البرامجية للإذاعة الوطنية، لكنهم ادركوا ان الامر يتجاوزه”، واردف قائلا: “قرار توقيف البرنامج في ظاهره جاء من وزارة الثقافة والاتصال ولكننا لا نعرف باطنه”.
.
ابن أخت الفقيد:
جسد خالي مات لكن فكره سيبقى بيننا
الشيخ محمد فارح، ظاهرة بمعنى الكلمة، عالم بكل ما تحمله الكلمة من معاني، مات جسدا ليس فكرا فالشيخ لايزال حيا بأفكاره التي تنشر، كان متفتحا وليس متعصبا، العربية كان يحبها وتسري في عروقه ولم يكن له مشكل مع اللغات الأخرى، يقرأ الفرنسية والتركية وكان يقول عنها “تركتها تركتني” لاينام إلا بعد منتصف الليل وينهض قبل الفجر، كان يرافق جدي إلى المسجد لقراءة القران، ورغم الحادثة التي أصابت جدي سنة 1936 وجعلته كفيفا، إلا أن عزيمته لم ينقص منها شيء، كان يرعى الغنم وواصل حفظ القران الكريم وحده وعمره 6 سنوات في زاوية أولاد سيدي الشيخ الحسين، كان يتمتع بذاكرة قوية واجتهاد ولما توجه إلى الحياة العملية سار في نفس المنهاج.
يذكر شقيقه من الرضاعة وابن أخته نذير خصاله الحميدة، ويؤكد انه يقدم شهادته ليس بحكم صلة الدم والقرابة، محمد فارح كان وطنيا وليس جهويا، كان يحب الخير للغير وهي صفة من صفات الكبار الحميدة، لا يحسد ولا يبخل ويتعاطف مع الطلبة خاصة القادمين من المناطق النائية الذين يقصدون منزله، يحب الجزائر والدته كانت تلح عليه لمواصلة دراسته وأتذكر أن أهل القرية التي كان يقطن فيها ساعدوه لمواصلة دراسته.
.
سعيد بوشعير رئيس المجلس الدستوري الأسبق
بفضل محمد فارح وآخرين تمكنت الدولة الجزائرية من إخراج الجريدة الرسمية
الحديث عن محمد فارح لا يمكن الإحاطة به في عجالة على اعتبار أنه معلم ليس للذين يترددون على المدارس، ولكن للجميع.
المرحوم محمد فارح شخصية قدمت الكثير ليس للغة العربية وحسب، ولكن لقرائها ومؤسساتها، لأنه كان مع قلة قليلة من المعربين الذين تمكنوا وبفضلهم تمكنت الدولة الجزائرية من إخراج الجريدة الرسمية لسان حال الدولة في كل المجالات، تمكن إلى جانب مجموعة من الرقي بالعربية إلى مصاف اللغات المتقدمة، لأنك إذا قرأت هذه الجريدة في مرحلة ما بعد الاستقلال تجد بصمات المرحوم محمد فارح، الجريدة الرسمية في مظهرها الحالي أصبحت لسان حال الدولة وتعبر عن إرادة الشعب.
.
عبد الحفيظ أمقران وزير الشؤون الدينية الأسبق
كان لا يستغني عن المجيء إلى المجلس الإسلامي الأعلى رغم ظروفه الصحية
رحم الله زميلنا في المجلس الإسلامي الأعلى محمد فارح، تكفي شهادة الشيخ قاهر التي قدمها في المرحوم، كان عندما يأتي إلى المجلس صحبة ابنه، كنت أقول له ابق في بيتك يكفي، يقول إني لا أستطيع الاستغناء عن المجلس، وكذا إنني لا أستطيع عدم المجيء لرؤيتكم، وكان كلما يمر على مكتبي، يستأذن ونتصافح قبل أن يذهب إلى مكتبه، تكفي شهادات تلامذته الكثيرين، ويكفي أن نذكر قلما واحدا وهو الهادي الحسني الذي تكفي شهادته في المرحوم. عرفته قبل المجلس الإسلامي الأعلى لما كنت وزيرا ونظمنا ملتقى حول الآفات الاجتماعية، أين قدم كلمة قيمة فعرفت القيمة العلمية للمرحوم. وقد سمعت من الشيخ أحمد حماني رحمه الله شهادة عن محمد فارح كلها تتحدث عن صدق هذا الرجل العظيم.
.
أمين الزاوي:
محمد فارح حارب “التلوث اللغوي”
قال الدكتور أمين الزاوي أمس، خلال تأبينية فقيد لغة الضاد وفارس العربية محمد فارح: “ماذا يقول جيلي عن جيل مثقف طيّب السلوك والعلم؟ كنت أراه يحارب تلوث اللغة العربية ويقاوم الخراب الذي تعرضت إليه اللغة، كان الفقيد هادئا ومثقفا وغير متعصب، انه معلم، ومؤسسة كاملة، هو من ثقف الإذاعة الوطنية وأعطاها وزنا حقيقيا، وسلطة الاحترام في رفع الذائقة اللغوية، كان يريد دفع اللغة العربية للصدارة والتموقع، فلا احد منا لم يسمع عن برنامجه “لغتنا الجميلة”، تابعته منذ كنت طالبا، حين كنت بجريدة الجمهورية أخربش، وأول مقال كتبته عن مخطوطات البيوت في تلمسان، بعد أسبوع يعود لي المقال الذي نشر في الجريدة مصححا، ومعه رسالة اخبرني انه يتابع تعريب الجريدة من بعيد، فأنا الآن حين امسك القلم أخاف من الخطأ”.
.
عبد الله عثامنية:
فارح هو من صحّح نص الميثاق الوطني ودستور بومدين
أشاد عبد الله عثامنية، بخصال فارس اللغة العربية وحرصه على لغة الضاد وتمكنه، واصفا الفقيد رحمه الله بعملاق الدفاع عن لغة الضاد، يقول اذكر انه في شهر جوان من سنة 1976 كانت الرئاسة تهيئ عن طريق لجنة عليا لتنصيص الدستور ونص الميثاق الوطني اللذين كانا باللغة الفرنسية، لكن الرئيس هواري بومدين، آنذاك أصر على صدور النص باللغة العربية، وبالفعل ترجم النصان لكن الترجمة كانت ضعيفة ورديئة، وتم الاستنجاد بوزير التربية الذي طلب مجموعة من المثقفين والعاملين في الإدارة المركزية، لمراجعة النصين حيث تم تعيني لتدقيق اللغة ومراجعة النصوص وتصحيح الأخطاء، لكن في شهر جويلية المصادف للعطلة الصيفية تسرب المثقفون، وبقيت وحدي لمراجعة النص وحتى في مرحلة الطباعة، فاخترت محمد فارح، الذي كان أستاذا في اللغة العربية بثانوية المقراني وصاحب الصفحة المشكولة في جريدة الشعب، النص القانوني كانت فيه عدة أخطاء ومتاعب وأدخلنا تصحيحات في اللغة العربية “لكننا لم نبق في الإدارة توفي الرئيس هواري بومدين وتوفيت معه العديد من المشاريع”.
.
محمد الهادي الحسني:
فارح منجم للغة حرّم الخطأ في اللغة العربية على الإمام والصحفي والمعلم
وصف الكاتب والأستاذ محمد الهادي الحسني، محمد فارح بمنجم لغة الضاد بمعنى الكلمة، وآية في الأخلاق العظيمة، عاصرت أولاده خاصة الدكتور أسامة وبناته وهن يكبرن، لازمته منذ منتصف السبعينات وكنت لصيقا به، الشيخ فارح مدرسة في التربية العملية، كريم، ولا أقصد به كثرة ما يقدمه إلى ضيوفه، بل الحفاوة وخفة روحه وظرافته، أم أولاده كانت تستقبلني بأي شكل تكون فيه بالمنزل، لم يضيع من عمره، كان يدرس في كلية العلوم الإسلامية والمدرسة العليا للأساتذة ويعمل بالجريدة الرسمية، وكنت دوما أزوره وأستشيره، كان حريصا على اللغة العربية ويقول ثلاثة إذا اخطأوا تضاعف عليهم الخطأ “الإمام، المعلم والصحفي”.
وذكر محمد الهادي الحسني أفضال الشيخ عليه، حين قال دفعني وأخذ بيدي في الخطوات الأولى للكتابة، قال لي رحمه الله: “لماذا لا تكتب؟ قلت له أمنيتي، لكن المسافة طويلة في الجزائر، فرد نحن نقوم بعمليات جراحية لإخراج كاتب متمكن“.
كان أول مقال سلمته لعملاق اللغة العربية ضد أحد الوزراء، وكان مليئا بالأخطاء بعد حذفه للزوائد وإضفاء بعض التعديلات والتصليحات، منحني أول درس في المقال وابتسم الفقيد وقال: “يا بني أن تقول 10 بالمائة خير من أن لا تقول شيئا“.
.
تلميذه محبوب بلقاسم
الشيخ فارح كان متميزا عن كل أساتذتنا
قال تلميذ الشيخ محمد فارح، عرفت الفقيد كتلميذ بثانوية المقراني، كان مختلفا ومميزا عن غيره حتى في الهندام، حيث كان محافظا على هندام مميز ولم يستدرج إلى الأثواب الحديثة في ذلك الوقت رغم أن الأساتذة الآخرين كانوا يرتدون ثوبا معاصرا، وقال تلميذه محبوب بلقاسم “كان يساعد الطلبة القادمين من الأرياف، أذكر منذ 40 سنة، أحد الأولياء أوقف ابنته عن مزاولة الدراسة، غضب عملاق اللغة العربية ووصف الأب بالمجرم، وقال: لو كانت عندي ابنة لعلمتها، بل أكثر من تعليم أخيها، لأن الذكر بإمكانه العمل في أي مجال“.
.
عثمان سعدي:
“الفكر العربي فقد أحد عمالقته“
قال عثمان سعدي، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن اللغة العربية في رحيل محمد فارح: “كان عملاقا من عمالقة الفكر العربي، لأنه كان يدرك أهمية في تحقيق السيادة الوطنية لأي بلد، ولكن للأسف رحل محمد فارح وهو يتحسر على حال لغتنا الوطنية، رغم كل المجهودات التي بذلها وبقية العلماء في سبيل النهوض بها، حيث كان من اوائل الذين استجابوا لتأسيس الجمعية الوطنية لتأسيس الجمعية الوطنية للغة العربية سنة 1989 واتمنى ان يوفر لنا ورثته من أبنائه وأقاربه ومن عرفوه العناصر الضرورية من اجل طبعها ونشرها”.
.
فضيل بومالة:
“عندما التقيت عمي فارح تغيرت نظرتي إلى جيله”
“حزنت كثيرا لفراق عمي محمد، حاولت أن ألتقيه في أيامه الأخيرة، حتى أشعر أن فكره وروحه ما يزالان يسريان في روح أبناء جيل مختلف عن جيله. أصدقكم القول إذا قلت لكم إنني من الذين لا يحبون الجيل القديم من الساسة والأشخاص الذين أفسدوا صورة من قادوا الأمة الجزائرية لكن عندما قابلت هذا الرجل تغيرت نظرتي ونسيت ذلك الجيل الذي عاث في الأرض فسادا”.
.
محمد الصغير بلعلام:
“القائمون على الثقافة مصابون بعمى الألوان”
انتقد محمد الصغير بلعلام، في تأبينية شيخ النحويين محمد فارح، قائلا: “كان أخي وصديقي وزميلي في الدراسة، درسنا معا في معهد عبد الحميد بن باديس، كان جادا لا يعرف اللهو، هادئا وكان يتمتع بصدر رحب، لم أره يوما غاضبا من أحد، أفنى حياته في خدمة الوطن، ولكن أخشى أن يأتي يوم ينسى الجزائريون تلاميذ ابن باديس”، وأردف: “القائمون على قطاع الثقافة في بلادنا مصابون بعمى الألوان، من هو المثقف في بلدنا من يجب تكريمه والاحتفاء به من المفروض؟ من الواجب أن تصرف الدولة عليه الملايير؟“.