فتاوى القتل والثورات العربية
من كان يتصور أن تصير الفتوى في عهد وصول الإسلاميين إلى السلطة وسيلة فعّالة لتشجيع الفساد الأخلاقي والتحريض على هدر دماء المسلمين وإثارة الفتنة بينهم وبين النصارى؟ ولماذا تزامن إنتشارها مع الثورات العربية؟، فهل هي لتثبيت الحكم “الإخواني” أم لتهديم اركان الدولة المدنية؟ ولماذا لا يحاكم أصحابها؟.
سقوط الدولة الوطنية
وضعت الثورات العربية حدًا للدولة الوطنية التي قامت على أنقاض الإستعمار القديم أو الحماية الأجنبية وكان يفترض أن تعوّض بالدولة المدنية إلاّ أن وصول الأحزاب الإسلامية إلى الحكم وسرقة الثورة من أصحابها الحقيقيين جعل نظام الحكم الجديد في نظر من يسميهم اللّائكيون بـ”الغوغائيين” ويطلق عليهم المؤرخون الإسلاميون اسم “الدّهماء” مجرد تغيير لديكور تعوّدوه في الأنظمة السّابقة، بالرغم من التراجع في حفظ أمن المواطنين وممتلكاتهم ففي تونس يقود رئيس الحكومة والأمين العام لحزب النهضة إنقلابًا على حزبه وشركائه في الحكم بدعم من أنظمة عربية وغربية، وفي مصر صار هم النظام هو القضاء على المعارضة وتشويه رموزها، في حين أن ملامح الدولة الجديدة في ليبيا لم تتبلور بعد بسبب التردد في حسم قضية الأسلحة، أمّا في اليمن فإن هناك تواطأ على الثورة بمشاركة النظام القديم ومن قدّموا الضمانات للثوار لإنتقال السلطة إليهم، بينما تبقى الثورة في سوريا رهينة القوى الدولية التي لم تقرر بعد كيفية حسمها، وتبقى دولة البحرين بين المدافعين عن الطائفية الدينية ومن يطالبون بالتغيير، فما تحقق وما لم يتحقق من الثورات العربية؟
لابد من الإعتراف بأن هذه الثورات أوصدت أبواب توريث الحكم والإنفراد به وسرقة إرادة الشعب، وفتحت مجال المنافسة الإعلامية في كشف المستور في كواليس الحكم وإن كانت الآفات الإجتماعية التي كان يتكتم عنها النظام السابق قد أخذت تطفو في الحياة اليومية للمواطنين مجسدة في البلطجة واللصوصية والطاحتيال والنفاق والكذب والفوضى ممّا أعطى الإنطباع بأن النظام القائم عاجز عن توفير الأمن للمواطن وإحتياجاته.
وفي ظل هذا الوضع الجديد تفشت ظاهرة التحريض على القتل وفتاوى إهدار دماء المواطنين في تونس ومصر بالرغم من ان الأغلبية الحاكمة ذات مرجعيات دينية، فهل التشدد مصدره الدين أم السياسة أم الاثنان معًا، وكيف يمكن مواجهة العنف الذي تحوّل أصحابه إلى دعاة سلم؟ أيعقل أن يتحوّل قاتل السادات إلى بطل قومي؟ ومن سقطوا ضحايا الجرائم إلى شهداء؟.
فهل لبروز هذه الظاهرة في تونس ومصر علاقة بمن كانوا وراءها في الجزائر التي كانت أول قطر عربي يتعرّض لفتاوى العنف وإهدار دماء المواطنين؟
يقول لنا التاريخ بأن تجريد أول عالم عربي من ألقابه العلمية كان في القاهرة في عهد الملك فاروق لأنه اعترض على استغلال الدين في السياسة وهو علي عبد الرازق لذي كتب “الإسلام وأصول الحكم” لكن لم تصدر ضده فتوى وإنما صدر كتاب يعارضه ، وأعيد له الإعتبار أثناء ميلاد الدولة الوطنية في عهد جمال عبد الناصر، لكن ما حدث في عهد حسني مبارك من دعاوى قضائية ضد المبدعين في الأدب والشعر والموسيقى والفكر يبقى وصمة عار في جبين أصحاب الفتاوى، أيعقل أن يرفع طال علم دعوى ضد موسيقار في مستوى محمد عبد الوهاب؟ أيعقل أن يكفّر ناصر حامد أبوزيد وتجبر زوجته على تطلقيه؟
فمن كان وراء هذه الدعاوى القضائية والفتاوى غير أولئك الذين كانوا يمثلون الوجه الآخر للإخوان المسلمين في مصر.
.
تقزيم المسلمين أم “الإسلام”؟
يتنافس الكثير من شيوخ الدين في الوطن العربي على إصدار الفتاوى بدءًا من فتوى إرضاع العاملة لزميلها العامل حتى يصير شقيقًا محرّمًا عليها، مرورًا بفتوى الشيخ أحمد محمود عبد الله المكنى بـ”أبي إسلام” التي تعتبر المعايدة مع النصارى “وثنية” بالرّغم من أن الأقباط يشكلون في مصر %15 من السكان، وفتوى الشيخ وجدي غنيم بتكفير العلمانيين والليبراليين والحداثيين، وفتوى الشيخ ياسر برهامي بعدم جواز التصويت في الانتخابات لغير حزبه، أو فتوى الشيخ أسامة قاسم التي تدعو إلى تطبيق “حد الحرابة” على قيادات جبهة الإنقاذ المصري، أو أستاذ البلاغة المدعو محمود شعبان الذي يهدر دم قيادة جبهة الإنقاذ لأنها عارضت الرئيس، وهي تذكرنا بفتاوى سابقة للشيخ محمود عامر الذي وصف حسني مبارك بأنه أمير المؤمنين.
وتنطلق معظم هذه الفناوى المرتبطة بحكم الإخوان من الاعتقاد بأن يكون “للرئيس السمع والطاعة إلى أن يموت أو يستقيل” ومصدر أغلبها هي الأنظمة الملكية وهي تقزّم المسلمين وتسيء إلى الأقليات الدينية في وطننا العربي وتعطي صورة مشوِّهة للإسلام والمسمين.
إذا أردنا أن ننقذ إسلامنا من المتطفلين عليه ممّن لا ينتمون إلى دار الإفتاء في مصر وبقية الأقطار العربية فأنه علينا بالتفكير في ربط الحكم في مضمون الفتوى بالقضاء بمعنى ألا يسمح لأي كان بإصدار فتوى تمس حقوق الإنسان دون الرجوع إلى دار الإفتاء على أن يتابع أصحابها جزائياً لتلجم ألسنتهم وتبقى مقولة الخليفة عمر بن الخطاب” أتريد أن يجعلوا ظهورنا جسورًا إلى جهنم ليقولوا أفتانا بهذا ابن الخطاب” منارة لذوي الألباب، أو كما قال تعالى”إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون” صدق الله العظيم.