فتنة.. ولا سعد لها؟
يروي التاريخ في الفتنة الكبرى التي وقعت في صدر الإسلام بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أن سعدا بن أبي وقاص وهو فاتح العراق بعد معركة القادسية، وأحد المبشرين بالجنة، اعتزل الناس، وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا إليه شيئا من معركتي الجمل وصفين، وكان همه الوحيد أن يجد للمسلمين مخرجا من هذه الفتنة التي اختلط فيها الحابل بالنابل وعصفت بدولة الإسلام الفتية، إلى أن جاءه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وخاطبه قائلا: يا عم هاهنا مئة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر أي الخلافة، فأجابه: لا أريد سوى سيف واحد، إذا ضربت به المؤمن تجنّبه، وإذا ضربت به الكافر قطعه..
ويعيد التاريخ نفسه رغم أن المتصارعين الآن في بلاد الشام أبعد من أن يكونوا من طينة الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعمار بن ياسر، وتدخل الأمة في فتنة بلغت درجت تكفير العلماء الكبار لبعضهم البعض، ومنهم من كانوا يتنقلون بين أمصار الدنيا كالبنيان المرصوص والجسد الواحد ليدافعوا عن رسول الله ويهدوا الناس إلى سبيل الرشاد، وأكثر من ذلك بلغوا الآن درجة إهدار دم العلماء في حادثة ذكّرتنا بالفتنة الكبرى التي أحدثت الشرخ الكبير في الأمة منذ مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان.
ما يحدث في سوريا من نحر وانتحار استوى فيه المتخاصمان، لا يمكن لأي منحاز لطرف من المتخاصمين أن لا يكون سوى بنزين يُلهب النار المشتعلة منذ عامين، فإذا كان الداعون لإسقاط بشار الأسد يقولون إنه عميل لإسرائيل بدليل أنه لم يطلق رصاصة على الإسرائيليين الجاثمين على قلب الجولان منذ قرابة النصف قرن، وهذا صحيح، وأنه عميل للصفويين وهذا أيضا صحيح، فإنهم هم أيضا لم يطلقوا رصاصة على إسرائيل، وقد تمكنوا من دكّ حصون دمشق- كما يقولون- وقتل قيادات الجيش ونحر رمضان البوطي، ولا نظنهم سيطلقون رصاصة واحدة في صدر جندي إسرائيلي لو تمكنوا من كومة الأنقاض والرماد التي تسمى حاليا مجازا بلاد الشام، ولا نظنهم ينفون عمالتهم لأمريكا وفرنسا وإنجلترا وبقية الدول التي تورطت في تغيير خارطة الشرق الأوسط.
نتفق جميعا منذ زمن بعيد على أن بشار الأسد ورث الجبروت والديكتاورية والظلم والمذهبية من أبيه، حتى عندما وصفه ذات 2009 الدكتور يوسف القرضاوي بالنظيف وأمين الأمة وأملها، في زيارة للأسف ما زالت مسجلة ومتداولة، ولكن لا أحد يتصور أو يحلم بأن تُسيّر سوريا عندما يسقط الأسد بالنظام الإسلامي أو الديموقراطي، لأن ما حدث في العراق هو الذي تسهر الولايات المتحدة وإسرائيل على تطبيقه في سوريا من خلال إشاعة الفوضى في البلاد فلا يبقى فيها أسد ولا نعاج، مجرد طوائف تتناحر وتبيد عاصمة الأمويين كما أبادت عاصمة العباسيين منذ قرابة العشر سنوات.