فرصة الضعفاء لتفكيك مصفوفة ”العقب الحديدي”
في عالم حوّله “العقب الحديدي” الغربي إلى مصفوفة خادمة للصفوة من الأوليغارشيين، يكون من قبل صناعة الأساطير المخدرة للشعوب، التعويل على الدول “المنحازة” في منظمة عدم الانحياز، الإطاحة باستبداد الاستكبار العالمي، قبل تفكيك مصفوفته المتحكمة في خيرات الشعوب، وصناعة الحروب بدل السلام.
أكثر من 120 دولة تمثل ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، وثلاثة أرباع سكان العالم، التأم شملها هذا الخميس في القمة السادسة عشر لمنظمة دول عدم الانحياز، التي يراد لها أن تكون حدثا فارقا في العلاقات الدولية، المقبلة على إعادة اصطفاف عالمي بين أكثر من قطب، كما يعول عليها، عرضا، لابتكار مخرج ما للأزمة السورية، بصيغة تحفظ ماء الوجه للدول العظمى والدول الإقليمية التي تورطت في الأزمة.
.
قمٌة ”الانحياز” في قمم عدم الانحياز
ولأن الصدفة تأتي أحيانا بمشاهد خارجة عن المألوف، فإن رئاسة المنظمة قد انتقلت من البيت المصري: الحليف الطبيعي للولايات المتحدة في زمن المخلوع عن الحكم بمباركة أمريكية، كما في زمن “المخلوع” عليه بالحكم بتزكية أمريكية، إلى البيت الفارسي المصنف في محور الشر، منذ أن جاهر بالعداء لإسرائيل، حتى أن دور الرئيس المصري قد اقتصر على خطبة تسليم الرئاسة لنظيره الإيراني، بعد أن ارتكب أخطاء سياسية ودبلوماسية بالجملة.
”ثمة استحالة موضوعية لترسيخ مبدأ عدم الانحياز في العلاقات الدولية، لأنه جاء على خلاف العرف في سلوك البشر، الذي يكفر بفقه النزول بين المنزلتين على سنة المعتزلة من أئمة عدم الانحياز”.
الجلسة الافتتاحية كانت خير شاهد على أن منظمة دول عدم الانحياز، ليست سوى مصفوفة ثانوية، تعكس استمرار انقسام العالم إلى معسكرين. فقد حرصت الرئاسة المصرية المنتهية ولايتها على تجديد الثوابت في السياسة المصرية لما بعد معاهدة كامب دافيد، بتجنب الخوض في الملف الفلسطيني، كما في ملفات استباحة دول الاستكبار لجغرافية العالم العربي والإسلامي، ونهبها المتواصل لثروات دول عدم الانحياز، فكره الخوض في القتل الأمريكي للأشقاء في العراق وأفغانستان، والقتل الصهيوني للفلسطينيين، والتهويد المتواصل للقدس ولمجمل فلسطين المحتلة، لكنه أناب عن المعسكر الذي ما زالت مصر تنتسب إليه بعد الثورة، بالتركيز على الملف السوري بنفس المفردات التي ترد على لسان أوباما، هولاند، وكامرن.
على الضفة الثانية من مصفوفة عدم الانحياز، كان الخطاب الإيراني أكثر ذكاء، مع انحيازه للمعسكر الآخر. فقد ركز خطاب المرشد على ثلاثة ملفات هي بلا شك محل إجماع، ولو ظاهريا، داخل مجموعة دول عدم الانحياز: الملف الفلسطيني الذي يعني نصف أعضاء المنظمة، وهم من العرب والمسلمين، وملف تغول دول الاستكبار الغربي في السياسة، والاقتصاد، وفي فرض سلم قيمي مزدوج في العلاقات الدولية، وأخيرا ملف إعادة هيكلة مؤسسات “الحوكمة” العالمية، الذي هو من صميم الأهداف التي تشكلت لأجلها منظمة دول عدم الانحياز.
.
بدعة المعتزلة في النزول بين المنزلتين
ولمن تابع تدخل رؤساء الوفود، فإنه يكون قد وقف على هذه الحقيقة التي لا تخفيها الأساليب الخطابية، بشأن استحالة ترسيخ مبدأ عدم الانحياز في العلاقات الدولية، لأنه جاء على خلاف العرف والممارسة في العلاقات بين الدول منذ نشأة الدولة الحديثة، لتواصل الأمم الحديثة سياسة الاصطفاف داخل الأحلاف، كما كانت مع الجماعات البشرية البدائية، ومع القبائل، والعرقيات، والملل، لأنها فطرة مغروسة في نفسية الأفراد، كما هي مركبة في سلوك الدول، حتى أن القرآن إنما وصف سيرة البشر بمفردة “الموالاة لحزب الله أو لحزب الشيطان” وليس ثمة فرصة للنزول بين المنزلتين على سنة المعتزلة من أئمة عدم الانحياز.
ولأجل ذلك كان مبدأ عدم الانحياز في العلاقات الدولية واحدا من الأساطير الخارقة التي يدلس بها على الشعوب. فقد نشأت المنظمة على أيدي زعماء دول من الجنوب المستضعف، كرهوا استبعاد دولهم من دوائر إدارة مؤسسات “الحوكمة” العالمية، في أعقاب “مؤتمر سان فرانسيسكو” المنشئ لمنظمة الأمم المتحدة، ومؤتمر “بريتن وود” المنظم للنظام النقدي العالمي، ولم يكن لهم دور في نشأة وإدارة منظمة “الغات” وخليفتها “منظمة التجارة العالمية”، وما يزال أكثر أعضائها مبعدين عن إدارة المؤسسات الدولية، بل أن أكثر ضحاياها منهم، وقد حولها الاستكبار العالمي الغربي إلى مؤسسات قمعية صرفة للدول الصغيرة، تدفع بها إلى الانضواء مكرهة في واحد من الحلفين طلبا للحماية.
.
إشغال العُمي من الجياع بجنة الدجال الأعور
مرة واحدة في تاريخها اقتربت المنظمة من السياق الذي كان يفترض أن يكون سياقها الطبيعي، والذي يشفع لها النشأة والوجود، حين تولت الجزائر رئاستها في السبعينيات، في عهد الراحل بومدين ووزير خارجيته الرئيس الحالي، لينتقلا بالمنظمة إلى ساحة المواجهة مع الاستكبار في المعسكرين، ويقولا لقادة “الحوكمة” العالمية من المعسكرين: “إن الشعوب لا تريد الذهاب إلى جنتيهما ببطون خاوية” فدعي إلى القمة الاقتصادية العالمية الاستثنائية، التي شكل فيها الخطاب الشهير للراحل بومدين، الأرضية المبدئية لأي إصلاح مؤمل في العلاقات الدولية، يبدأ بوقف استنزاف خيرات الشعوب المستضعفة، وإعادة التوازن والإنصاف للمبادلات التجارية، وللنظام النقدي العالمي، قبل التفكير في إعادة بناء مؤسسات ”حوكمة” عالمية متوازنة تحفظ بحق السلم والأمن العالميين.
”لأن تشكيلة منظمة عدم الانحياز كانت قائمة على معاشرة خارج المألوف بين دول منحازة من الضاحيتين: الغربية والشرقية، فقد تسللت عبرها إرادة المعسكرين لتثبط العزيمة، وتحرف المنظمة عن مسارها الطبيعي”.
ولأن تشكيلة منظمة عدم الانحياز كانت قائمة على معاشرة خارج المألوف بين دول الضاحيتين: الغربية والشرقية، فقد تسللت عبرها إرادة المعسكرين لتثبط العزيمة، وتحرف المنظمة عن مسارها الطبيعي، وتترك لها على الأكثر، حرية التشدق بمبادئ عدم الانحياز، الممتنع أصلا في العلاقات الدولية، الأمس، واليوم، وغدا وبعد الغد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها من أحفاد الحزبين، وشتات الفريقين.
فقد ذهب زعماء المنظمة الكبار أصحاب الرؤية : نيهرو، عبد الناصر، بومدين، تيتو، ونكرومه، وضاع الخلف في متاهات وسراديب العلاقات الدولية التي كادت تنتهي إلى هيمنة مطلقة لـ”العقب الحديدي” بقيادة أوليغارشية مالية عالمية، تحرك رؤساء القوى العظمى ضد الدول والشعوب المستضعفة كما يحرك الحكواتي عرائس الغرغوز.
.
المتشابه من عدم الانحياز بدول منحازة
القمة السادسة عشر لدول عدم الانحياز تأتي مع ذلك وسط أجواء إيجابية للغاية، لصالح إعادة تنشيط وتفعيل دورها، وانتزاع هامش مناورة أكبر للدول المستضعفة، شريطة إعادة صياغة مفهوم عدم الانحياز، والابتعاد عن مضامين الدجل، وصناعة الأساطير الكاذبة للشعوب، أو إعادة كتابة ميثاق المنظمة بتعريف آخر للدولة غير المنحازة، حتى تتفهم الشعوب سر مشاركة وعضوية دول، هي محض قواعد عسكرية لأحد المعسكرين، مثل قطر، والبحرين، وجزر القمر، والإمارات، العربية، وسورية، وكوبا، وأخرى: هي في العرف الدولي، دولا محتلة، تعمل حكوماتها بالوكالة، مثل العراق وأفغانستان، وليبيا الجديدة، ودول تحولت إلى مستعمرات اقتصادية تأتمر مباشرة بأوامر أرباب الأوليغارشية العالمية، وقد انفق ما بقي من مساحة المقال في توصيف مجموعات كثيرة، هي بعدد أنواع وأجناس الانحياز، في الاقتصاد، والتجارة، والعمالة الاستخباراتية والأمنية، وكثيرا من أدوار المقاولة من الباطن، التي أوكلها المركز لدول وحكومات الضاحية، من الذين توالوا على منصة القمة السادسة عشر، يعلون نفاقا مبادء عدم الانحياز زورا وبهتانا، بدءا بخطاب الرئيس المصري، المقيد بحلف مع ولاء مع مرشد البيت الأبيض، وآخر مع العلبة السوداء في بيت عسكر مصر، إلى خطاب الرئيس الإيراني المحكوم بالولاء لبيت مرشد الثورة، وما يمليه واجب نصرة حلف المقاومة، والانتصار للمعسكر الشرقي الناشئ، وقس على ذلك.
.
فرصة المروق على شريعة القطب الأوحد..
الفرصة، ومع كل هذه التحفظات، تبقى قائمة لصياغة دور نشط وفعال للمنظمة، خاصة مع بداية تفكك منظمات إقليمية، سقطت بالكامل في ما هو ألعن من التبعية والانحياز للقوة الغاشمة، ولنفوذ المال النفطي، مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامية.
فالعلاقات الدولية الجديدة، التي يفترض أن تولد على أطلال انهيار مشروع هيمنة القطب الأمريكي الأوحد، لا تستقيم مع أسطورة مبدأ عدم الانحياز المنافق الكاذب، بل تحتاج إلى اصطفاف موضوعي للدول المستضعفة، أيا كان لون الحكم فيها، إلى جانب من يعمل اليوم على توليد عالم متعدد الأقطاب، لأن من مصلحة الدول المستضعفة ألا تتفرد جهة بإملاء مبادئها، وأحكامها، وتشريعاتها على العلاقات بين الدول، لأن ذلك هو الاستبداد بعينه، بل هو الاستبداد الأخطر على الشعوب من استبداد بعض الأنظمة الأهلية ضد شعوبها، لأنه استبداد يمارس على الدول والأنظمة والشعوب معا، فما قتل من العرب والمسلمين، وكثير من شعوب الجنوب، بتحكم عصابة الخمسة الأشرار في مجلس الأمن، هو أضعاف مضاعفة لما قتله الاستبداد المحلي الأحمق في أبشع نماذجه: مع الكواسر من الخمير الحمر، إلى وحوش رواندا، وزبانية ميلوزفيتش، وما تستنزفه تحكمات وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، والشروط المجحفة لمنظمة التجارة العالمية، يفوق بأضعاف مضاعفة مجموع ما “تعتلفه” الصفوة من أنظمة الحكم الفاسدة، إما بالفساد الصرف، أو بالإهمال المحض، وسوء إدارة الشأن العام.
.
.. وبناء ”حوكمة” عالمية ديمقراطية
فمن أعظم نجاحات قوى الاستكبار، أنها صرفت الشعوب المستضعفة عن ملاحقة وحش “الليفياتون” الغربي الملتهم لخيراتها بنهم وشراهة يعملان بوتيرة هندسية، إلى تتبع ظله المستحكم في سلوك الحكام المحليين، كما نجح في صرف الشعوب عن القتال من أجل حماية السيادة من استباحة قوى الاستكبار، إلى هدر دماء أبنائها في المتشابه من الثورات والاقتتال البيني، المدمر لما بقي من مقدرات الدول والشعوب.
”من أعظم نجاحات قوى الاستكبار، أنها صرفت الشعوب المستضعفة عن ملاحقة وحش ”الليفياتون” الغربي الملتهم لخيراتها، والانشغال بمطاردة ظله المستحكم في السلوك المستبد للحكام المحليين”.
وقد يكفي المنظمة من الأدوار التي قد تحمد عليها، أن تجتهد من أجل إعادة توجيه شعوبها نحو معارك ذات شأن وجدوى، وتوجه طاقاتها لاستكمال وتثبيت استقلال الدول، وسيادة الشعوب على ثرواتها ومصيرها، وليس من سبيل إلى ذلك سوى العمل على تفكيك منظومة “الحوكمة” الدولية القائمة، ومصفوفتها الظالمة، وإعادة بنائها وفق المبادئ الديمقراطية، التي تتشدق بها قوى الاستكبار، وهو الاختبار الحقيقي لمنظمة دول عدم الانحياز، التي سوف تظل مجرد هيكل تنظيمي فاشل، منفق لأموال الشعوب، مثله مثل بقية المنظمات الإقليمية، التي لا تختلف، في أدوارها، وفي ما يسمح به المركز لها، عن الأدوار وما تسمح به الأنظمة الاستبدادية الأهلية للأحزاب الكرتونية في معظم دول العالم الثالث، قبل وبعد حلول فصول ربيع الشعوب المسير.
.
ثورة المستضعفين على مصفوفة العقب الحديدي
وحتى لا يتهمنا بعض المتسرعين في الحكم بالكفر على كل ما يخرج عن المعروف من ثقافة المصفوفة السائدة، فإنه بوسع منظمة دول عدم الانحياز أن تبادرـ قبل هدم ما هو قائم ـ إلى التأسيس بداخلها لمؤسسات “حوكمة” بديلة عن منظمات الاستكبار العالمي، تخضع لشرطي العدالة والممارسة الديمقراطية في صناعة القرار الملزم، وتتولى إدارة ملفات السلم والأمن وفض النزاعات البينية، تتبعها بمؤسسات نقدية، تجارية، تعليمية، صحية وثقافية، تدير ما هو مشترك بين الدول الأعضاء بقدر من العدالة والإنصاف، وتجنبها سلوك التغول وتفرد الأقوياء بالقرار، الذي سقطت فيه منظمات المصفوفة العالمية المهيمنة، ولها أن تترك الباب مواربا لالتحاق بقية الدول متى تقبل بقواعد اللعبة الجديدة، في مؤسسات “حوكمة” ليس فيها حق نقض للأقوى، أو زيادة من النفوذ للأغنى.
خارج هذا المسعى، الذي أتيحت له اليوم فرصة حقيقية لقيامه، فإن مواصلة عقد هذه القمم والتجمعات الإقليمية، والإنفاق عليها بسخاء من أموال الشعوب، مع الإبقاء على العضوية في مؤسسات مصفوفة “العقب الحديدي” وهي تستبد على دولنا، وتستبيح أعراض شعوبنا، وتنهب خيراتها، هو أعظم جريمة يرتكبها حكام الدول المستضعفة في حق شعوبهم، وأن ما يصدر عنهم من استبداد ضد شعوبهم إنما له صلة نسب مع ما “تعودوا” عليه من استبداد مصفوفة “العقب الحديدي” بهم وبشعوبهم المستضعفة.