فرصة صناعة القوة للمغاربة
هل كان محض صدفة أن يختار ثوار”النيتو” يوم 17 فبراير كتاريخ لثورتهم التي خربت ليبيا، وقادت إلى مقتل قرابة 120 ألف ليبيا حسب إحصائيات الصليب الأحمر الدولي؟ وهل هي الصدفة أن يختار قادة مصر نفس التاريخ للإغارة على الشقيقة ليبيا مرتين: مرة بالطائرات كما فعل”النيتو” ومرة بمحاولة فاشلة لتنظيم تحالف دولي مع نفس الطرف الفرنسي الذي استبق قرار مجلس الأمن؟
فقبل 26 سنة كان المغاربة من بنغازي شرقا، إلى نواكشط غربا، يستقبلون بقدر من التفاؤل أنباء التئام قمة لقادة الدول المغاربية، والتوافق في قمة مراكش على تأسيس الاتحاد المغاربي في 17 فبراير 1989، بعد اللقاء الجامع بين قادة الدول الخمس بزرالدة في 10 جوان 1988، وقتها كانت أكثر الأطراف الإقليمية المنزعجة من توجه المغاربة نحو تأسيس اتحاد إقليمي: هي فرنسا ومصر لأسباب مختلفة، تتصل بمصالحهما في المنطقة، فقد كانت فرنسا ترى في الحراك المغاربي تهديدا لما كانت تعتبره حديقتها الخلفية، في مستعمراتها القديمة بشمال إفريقيا، وكانت ترى في تأسيس الاتحاد المغاربي بوابة قد تنتج مستقبلا فرص خروج دول المغرب العربي من قبضتها، وتوسّع نفوذ القطب المغاربي ليهدد مصالحا في دول الساحل وغرب إفريقيا.
لم تكن هذه المخاوف محض وهم أو تخيلات عند الفرنسيين والمصريين. فنحن أمام تكتل لخمس دول متجانسة: ثقافيا، دينيا، مذهبيا، ومن جهة العادات والتقاليد، واللغة، والتاريخ، وتجارب وحدوية سابقة، أنظمة الحكم فيها متشابهة حتى مع وجود نظام ملكي في المغرب، وجماهيري في ليبيا، لأن الحكومات كانت تعمل بنفس الأدوات الإجرائية، وبمدونة قانونية متقاربة.
ثم إن الدول الخمس تتربع على مساحة جغرافية تفوق مساحة أوروبا، وبتعداد سكاني يفوق سكان قوة عظمى مثل روسيا، وبدخل قومي خام يزيد عن 444 مليار دولار، وثروات نفطية تضعه في المراتب الخمس الأولى داخل منظمة أوبيك، مستوى التمدن فيه متنامي بوتيرة مقبولة، قد نجحت فيه المنظومات التربوية ـ مع ضعفها ـ في تدارك العجز الذي تراكم خلال قرن وأكثر من الاحتلال، وبدأت تخرج إطارات متعلمة بمئات الآلاف.
وعلى المستوى الجيوسياسي كان الاتحاد سيشكل قوة وازنة، مؤثرة في إدارة ملفات الحوض الغربي للأبيض المتوسط، وهو المتحكم في إحدى دفتي مضيق طارق، مسيطر بالكامل على الصحراء الكبرى، له نفوذ ثقافي وديني على معظم دول الساحل وغرب إفريقيا، ويشكل ثلث تعداد الفضاء العربي، كانت قواته المسلحة المشتركة ستشكل أول قوة إفريقية وفي الشرق الأوسط.
لأجل ذلك تعرضت فكرة الاتحاد المغاربي لأكثر من مؤامرة، اشتغل عليها الطرف الفرنسي جهارا، وقاومها الأشقاء في مصر تحت الطاولة، وقد ساعدهم ضيق الأفق السياسي عند القادة المغاربة، وغياب فاضح للنخب الفكرية والسياسية المغاربية، التي لم تحتضنه فكريا وثقافيا وإعلاميا، وظلت عالقة في حسابات قطرية شوفينية حمقاء، تلتفت إلى مغارمها الشخصية، ولا ترى مغانم شعوب المغرب العربي وأجياله القادمة، كما فاتها وفات قادة الدول، أن أهم المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية التي تؤرقها اليوم، كانت ستجد طريقها إلى الحل بيسر، بما فيها مشكل الصحراء الغربية، الذي كان أصلا على رأس الاهتمامات المحفزة لبناء الاتحاد المغاربي ولا يزال.