الرأي

فرصة صناعة القوة للمغاربة

حبيب راشدين
  • 4587
  • 21

هل كان محض صدفة أن‮ ‬يختار ثوار”النيتو‮” ‬يوم‮ ‬17‮ ‬فبراير كتاريخ لثورتهم التي‮ ‬خربت ليبيا،‮ ‬وقادت إلى مقتل قرابة‮ ‬120‮ ‬ألف ليبيا حسب إحصائيات الصليب الأحمر الدولي؟ وهل هي‮ ‬الصدفة أن‮ ‬يختار قادة مصر نفس التاريخ للإغارة على الشقيقة ليبيا مرتين‮: ‬مرة بالطائرات كما فعل”النيتو‮” ‬ومرة بمحاولة فاشلة لتنظيم تحالف دولي‮ ‬مع نفس الطرف الفرنسي‮ ‬الذي‮ ‬استبق قرار مجلس الأمن؟‮ ‬

فقبل‮ ‬26‮ ‬سنة كان المغاربة من بنغازي‮ ‬شرقا،‮ ‬إلى نواكشط‮ ‬غربا،‮ ‬يستقبلون بقدر من التفاؤل أنباء التئام قمة لقادة الدول المغاربية،‮ ‬والتوافق في‮ ‬قمة مراكش على تأسيس الاتحاد المغاربي‮ ‬في‮ ‬17‮ ‬فبراير‮ ‬1989،‮ ‬بعد اللقاء الجامع بين قادة الدول الخمس بزرالدة في‮ ‬10‮ ‬جوان‮ ‬1988،‮ ‬وقتها كانت أكثر الأطراف الإقليمية المنزعجة من توجه المغاربة نحو تأسيس اتحاد إقليمي‮: ‬هي‮ ‬فرنسا ومصر لأسباب مختلفة،‮ ‬تتصل بمصالحهما في‮ ‬المنطقة،‮ ‬فقد كانت فرنسا ترى في‮ ‬الحراك المغاربي‮ ‬تهديدا لما كانت تعتبره حديقتها الخلفية،‮ ‬في‮ ‬مستعمراتها القديمة بشمال إفريقيا،‮ ‬وكانت ترى في‮ ‬تأسيس الاتحاد المغاربي‮ ‬بوابة قد تنتج مستقبلا فرص خروج دول المغرب العربي‮ ‬من قبضتها،‮ ‬وتوسّع نفوذ القطب المغاربي‮ ‬ليهدد مصالحا في‮ ‬دول الساحل وغرب إفريقيا‮.‬

لم تكن هذه المخاوف محض وهم أو تخيلات عند الفرنسيين والمصريين‮. ‬فنحن أمام تكتل لخمس دول متجانسة‮: ‬ثقافيا،‮ ‬دينيا،‮ ‬مذهبيا،‮ ‬ومن جهة العادات والتقاليد،‮ ‬واللغة،‮ ‬والتاريخ،‮ ‬وتجارب وحدوية سابقة،‮ ‬أنظمة الحكم فيها متشابهة حتى مع وجود نظام ملكي‮ ‬في‮ ‬المغرب،‮ ‬وجماهيري‮ ‬في‮ ‬ليبيا،‮ ‬لأن الحكومات كانت تعمل بنفس الأدوات الإجرائية،‮ ‬وبمدونة قانونية متقاربة‮.‬

ثم إن الدول الخمس تتربع على مساحة جغرافية تفوق مساحة أوروبا،‮ ‬وبتعداد سكاني‮ ‬يفوق سكان قوة عظمى مثل روسيا،‮ ‬وبدخل قومي‮ ‬خام‮ ‬يزيد عن‮ ‬444‮ ‬مليار دولار،‮ ‬وثروات نفطية تضعه في‮ ‬المراتب الخمس الأولى داخل منظمة أوبيك،‮ ‬مستوى التمدن فيه متنامي‮ ‬بوتيرة مقبولة،‮ ‬قد نجحت فيه المنظومات التربوية ـ مع ضعفها ـ في‮ ‬تدارك العجز الذي‮ ‬تراكم خلال قرن وأكثر من الاحتلال،‮ ‬وبدأت تخرج إطارات متعلمة بمئات الآلاف‮.‬

وعلى المستوى الجيوسياسي‮ ‬كان الاتحاد سيشكل قوة وازنة،‮ ‬مؤثرة في‮ ‬إدارة ملفات الحوض الغربي‮ ‬للأبيض المتوسط،‮ ‬وهو المتحكم في‮ ‬إحدى دفتي‮ ‬مضيق طارق،‮ ‬مسيطر بالكامل على الصحراء الكبرى،‮ ‬له نفوذ ثقافي‮ ‬وديني‮ ‬على معظم دول الساحل وغرب إفريقيا،‮ ‬ويشكل ثلث تعداد الفضاء العربي،‮ ‬كانت قواته المسلحة المشتركة ستشكل أول قوة إفريقية وفي‮ ‬الشرق الأوسط‮.‬

لأجل ذلك تعرضت فكرة الاتحاد المغاربي‮ ‬لأكثر من مؤامرة،‮ ‬اشتغل عليها الطرف الفرنسي‮ ‬جهارا،‮ ‬وقاومها الأشقاء في‮ ‬مصر تحت الطاولة،‮ ‬وقد ساعدهم ضيق الأفق السياسي‮ ‬عند القادة المغاربة،‮ ‬وغياب فاضح للنخب الفكرية والسياسية المغاربية،‮ ‬التي‮ ‬لم تحتضنه فكريا وثقافيا وإعلاميا،‮ ‬وظلت عالقة في‮ ‬حسابات قطرية شوفينية حمقاء،‮ ‬تلتفت إلى مغارمها الشخصية،‮ ‬ولا ترى مغانم شعوب المغرب العربي‮ ‬وأجياله القادمة،‮ ‬كما فاتها وفات قادة الدول،‮ ‬أن أهم المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية التي‮ ‬تؤرقها اليوم،‮ ‬كانت ستجد طريقها إلى الحل بيسر،‮ ‬بما فيها مشكل الصحراء الغربية،‮ ‬الذي‮ ‬كان أصلا على رأس الاهتمامات المحفزة لبناء الاتحاد المغاربي‮ ‬ولا‮ ‬يزال‮.‬

مقالات ذات صلة