فرص بناء أمن قومي عربي جديد
من كان يصدق قبل خمسة أشهر أن تستقبل القاهرةُ، بالبساط الأحمر وباقات الورود، وزيرَيْ الخارجية والدفاع الروسيين، حين كان الرئيس المعزول مرسي يساوم الجيش المصري على نصرة الإخوان في سورية ضد الاحتلال الإيراني الروسي؟
أربعة أشهر من الانقلاب على ما سمي بالشرعية، كانت كافية لتؤكد أنه كان أيضا انقلابا على الأخ الأمريكي الكبير، الذي عاقب المنقلبين على أصدقائه الجدد من الإخوان، بتجميد جانب من مساعداته العسكرية، لتدخل هذه الدولة العربية الكبيرة مبكرا في ترتيبات إعادة توزيع كعكة الشرق الأوسط، ما بعد توافقات جينيف اثنين القادمة.
المفارقة الكبرى أن الوفد الروسي سوف يوقع على صفقة تسليح روسية كبيرة، تمول بهبات مالية من حلفاء أمريكا في الخليج، ومن المملكة السعودية بالذات، التي دخلت منذ حين في ما يشبه العصيان، سواء على خلفية خذلان أمريكا لها في الملف السوري والإيراني، أو حيال السياسات الأمريكية الكيدية الخفية التي تريد إضعاف الموقع السعودي الريادي في السوق النفطية العالمية.
وأيا كانت الدوافع، فإن هذا الانقلاب الهائل في التحالفات، المرشح لمزيد من التصعيد، هو بلا ريب أمر محمود، قد يفتح أمام النظام العربي المتهالك المفكك، فرص إعادة بناء توافقات استراتيجية متوازنة مع أقطاب العالم الجدد، وهي تتشكل على خلفية نتائج المواجهة الكبرى في الشام.
البداية المحتشمة لتحرر بعض الأنظمة العربية من التبعية المهينة للولايات المتحدة، لها أكثر من فرصة للنجاح، حالما يتأكد عرب الخليج: أن القرن الأمريكي قد انتهى، أو هو على وشك أن تطوى صفحاته المذلة للعرب، وأنه من مصلحة العالم العربي أن يبحث في وقت مبكر عن موقع له في العالم الجديد، وأنه يمتلك أوراق لعب كثيرة، متى دخل اللعبة بقدر من التضامن والتعاون البيني، والتعويل على مقدراته الذاتية، وعلى حيوية شعوبه التي أراد بعضهم استنزافها في مسارات خاطئة مدمرة للدول ولمقدرات الشعوب.
ففي اللحظة التي تقتنع فيها دول الخليج الغنية، أن الحماية الأمريكية محض وهم، وقد باتت ممتنعة في ظل الانسحاب الأمريكي الكبير من المنطقة، وأن مخاوفها من التوسع الإيراني سوف تسقط في اللحظة التي تكتشف فيها أن أمنها القومي هو جزء من أمن الإقليم العربي، فإن الطريق إلى بناء مقومات أمن عربي قومي جديد، يمر حتما عبر إعادة ترميم البيت المصري وإخراجه من الفتنة، وتجديد التواصل مع الكتلة المغاربية الأكثر استقرارا، في انتظار ترميم العلاقات مع سورية: العملاق النفطي العربي القادم، والعمل على استعادة العراق إلى الفضاء العربي، وسوف تكتشف أن ما تحتاجه هذه السياسة هو عشر مرات أقل كلفة من فاتورة الحماية الأمريكية التي لا تؤتمن.
وحالما تتأكد الشعوب العربية من قيام سياسات عربية سليمة، محررة من الهيمنة الأجنبية، تعيد توزيع الثورة على الإقليم، من أجل إنتاج فائض قيمة أهلي من القوة، فإنها سوف تغادر طواعية مسارات الشغب والثوران العدمية إلى تسويات تاريخية مع حكامها، تجب ما سلف من تسفل الحكام العرب وصغارها أمام الاستكبار العالمي.