فرعون وهامان العصر الحديث
يحتاج الرئيس الأمريكي دوناد ترامب، إلى نفساني خبير مُتمكّن، ليشرح لنا طبيعة هذا الإنسان الغريب، وما يمكنه أن يفعله في العالم. والمشكلة أن الوقت، ليس في صالح طالب معرفة شخصية الرجل، لأن الأمور قد تُحسم وبسرعة، خلال فترة محاولة الفهم، فالرجل يقول كثيرا، منذ أن دخل البيت الأبيض، وحتى قبل دخوله، ويخشى الناس أن يتحوّل القول إلى فعل سريع، ويتوجّب حينها الدخول في حرب، مع أقوى دولة حاليا في العالم، قال رئيسها إنه سيحتلُّ تلك البلاد، ويمسح من عليها، إن أرادوا مقارعته.
ويحتاج رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى قاض جريء، يضعه أمام المحكمة، ويحكم عليه بما يستحقّ، مقابل جرائم الحرب والإبادة التي اقترفها، فيريح العالم من فيروس تمكّن من الجسد كالجائحة التي لا تبقي ولا تذر.
في قضية غزة، صرنا نشعر بأن ترامب ربما لا يعرف جغرافية فلسطين، وطبعا لا يفقه تاريخها، فقد هدّد بالويل والجحيم، إذا لم يتم تبادل الأسرى قبل بدايته السياسية، ثم حاضرَ لفكرة ضرورة تهجير كل سكان غزة في أسرع وقت، وأكثر من ذلك بنى لهم في مخيلته “أوطانا” في مصر والأردن وألبانيا وأندونيسيا، قبل أن يطلب من مساعده “هامانه”، منحه أرض غزة، ليحوّلها إلى سنغافورة جديدة.
الذي يقول كثيرا، يخطئ كثيرا أيضا، فالرجل “الفرعون” الجديد، واجه عاصفة نسائية من حاكمات العديد من البلدان بعد رجالاتها من الدانمارك والمسكيك وكولومبيا وجنوب إفريقيا، فقد صار يرى نفسه الوحيد في العالم، وليس الأقوى فقط، والدليل على ذلك أنه لم يعد يبحث عن أموال الخليج فقط، وإنما صار يوزِّع الجغرافيا على من أراد، والشعوب أيضا أينما يريد؛ فقد قال مرة إنه دُهش لصغر مساحة “إسرائيل”، ووعد بأن يُمدّدها في كل الاتجاهات، ثم عاد ليطلب بضم جزيرة غرينلند التي أحبّ ثلوجها، وداس على إحدى البلدان الغربية الحليفة، وهو الآن يمنح غزة للصهاينة، ثم يطلبها من عندهم، في أغرب حالة شراء من بائع لا يملك الأرض أصلا.
ما يقوم به ترامب وتابعُه نتنياهو، لا يختلف إطلاقا عما قام به فرعون ووزيره هامان، فالأول رى نفسه إلها، والثاني مدد ثراءه و”جنونه” على حساب الناس جميعا.
نقرأ في القرآن الكريم عن سيرة فرعون وهامان، قوله تعالى:
“قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ”.
و”قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ”.
و”وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”.
و”فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى”.
و”قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ”.
و”قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ”.
وَ”قَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ”.
وقال عن المقاومين: “إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ”.
هو فرعون عاد.. هو هامان عاد.. في انتظار عودة البحر الهائج “فغشيهم من اليمّ ما غشيهم”.