“فرقنا تنهار ونرفض توظيف المساعدات لخدمة أجندة الاحتلال”
أمام وضع إنساني كارثي تسبب فيه الاحتلال جراء حربه المتواصلة ومنعه دخول المساعدات بشكل تام إلى قطاع غزة إضافة إلى استهدافه المستشفيات ومخيمات النازحين، اقترح في أوائل شهر أفريل خطة بهدف السيطرة على توزيع المساعدات داخل القطاع، وذلك من خلال “مؤسسة غزة الإنسانية” المدعومة من الولايات المتحدة. وهي الخطة التي قوبلت برفض من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي اعتبرها تهديداً يُفاقم القيود المفروضة على المساعدات ويجعل من كل سعرة حرارية وحبة دقيق تحت سيطرة الاحتلال.
- نعمل بإمكانات شبه معدومة
- التحرك الأوروبي لوقف الإبادة في غزة متأخر جدا
من جهته، حذّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، من أن هذه الخطة من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من النزوح، وتعريض آلاف المدنيين للخطر، وتقتصر على إيصال المساعدات إلى منطقة واحدة فقط من غزة دون تلبية الاحتياجات الملحّة في باقي المناطق، كما أنها تربط المساعدات بأهداف سياسية وعسكرية، وتحوّل التجويع إلى أداة ابتزاز.
كما عبّرت منظمات إغاثة تعمل في القطاع عن رفضها لهذه الخطة، من بينها “أطباء بلا حدود“، التي اتهمت الاحتلال بتعمد خنق غزة وذلك باستهداف النظام الصحي واستغلال الإغاثة، وهو ما أكده لـ”الشروق” المستشار الإعلامي للمنظمة، ألكسندر ماركو، الذي قال أن “أطباء بلا حدود” ترفض تسييس المساعدات الإنسانية وتوظيفها كأداة في خدمة أجندة الاحتلال.
الشروق: كيف هو الوضع الإنساني والصحي حاليا في غزة ؟
ألكسندر ماركو: الوضع الإنساني والصحي الراهن في غزة بلغ مستوى كارثيًا غير مسبوق. لا توجد كلمات تعبّر بدقة عمّا تشهده فرقنا على الأرض. في الأيام الأخيرة، تصاعدت وتيرة الهجمات بشكل مروّع. تم استهداف مستشفى ناصر في خان يونس – وسط قطاع غزة – للمرة الثالثة خلال شهر واحد فقط. كذلك، اضطررنا لإخلاء مركز الرعاية الصحية الأولية التابع لنا في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، امتثالًا لأوامر الإخلاء، كما أُجبرنا على تعليق العمل في عيادات ومراكز صحية أخرى.
نعمل اليوم بإمكانيات شبه معدومة. مخزوناتنا من الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية تستنزف بسرعة، حتى أن موادًا بسيطة مثل المسكنات والمعقمات أصبحت شحيحة. هذا النقص الحاد يجعل من المستحيل تقريبًا على فرقنا الطبية تقديم الرعاية التي يحتاجها المرضى. لكن الأمر لا يقتصر على الإمدادات؛ فالحرب تفرض أثقالًا نفسية جسيمة على زملائنا، الذين باتوا يواجهون الجوع أيضًا. نراهم يضعفون يومًا بعد يوم، نتيجة النقص الحاد في الغذاء، بفعل الحصار التام المفروض منذ الثاني من مارس – أي منذ أكثر من شهرين ونصف.
المشهد العام مأساوي بكل ما للكلمة من معنى. فرقنا تبذل كل ما في وسعها. لدينا أكثر من ألف موظف في غزة، من الطواقم المحلية وبعض الزملاء الدوليين. لكن قدراتنا تتآكل، ونقترب شيئًا فشيئًا من نقطة الانهيار الكامل.
كيف ترون تأثير الخطة المقترحة من قِبل الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة للسيطرة على توزيع المساعدات الإنسانية في غزة على الأوضاع الإنسانية المتدهورة أصلًا؟
الخطة الأمريكية-الإسرائيلية لتوزيع المساعدات، التي تم طرحها قبل أسبوعين، لا تزال حتى هذه اللحظة غامضة بشكل كبير. فلا توجد تفاصيل كافية تُمكّننا من إصدار تعليق موضوعي عليها. لكن ما نراه حتى الآن هو استمرار النمط ذاته من تسييس المساعدات وتوظيفها كأداة في خدمة أجندة الاحتلال، وهي ممارسة انتهجتها إسرائيل منذ بداية الحرب، وتقوم اليوم بتسريعها ضمن حملتها المستمرة للتطهير العرقي.
إن تهميش منظمات إنسانية راسخة مثل الأمم المتحدة، التي لها وجود تاريخي في غزة يمتد لعقود، أمر مرفوض تمامًا. كما أن تقليص وصول المساعدات الإنسانية وربطها بأهداف عسكرية للاحتلال الإسرائيلي هو انتهاك صارخ للمبادئ الأساسية للعمل الإنساني. نحن نرفض الانخراط في هذا النوع من الآليات، ولا نقبل المشاركة ضمن هذه الشروط أو الصيغ.
نحن ملتزمون بتقديم المساعدة الإنسانية بشكل حيادي، والتعاون مع الفاعلين الإنسانيين الآخرين على أساس الحياد الكامل. ما تم طرحه في هذه الخطة يتناقض بشكل مباشر مع جوهر المبادئ الإنسانية. نحن نرفضها بشكل قاطع. جوهر العمل الإنساني يقوم على الاستجابة للاحتياجات فقط، وليس على التواجد الجغرافي أو الاعتبارات السياسية. إن فرض آليات تصفية أو “تحقق أمني” ضمن خطة توزيع المساعدات يُعد انتهاكًا واضحًا لمبدأ الحياد، ونحن لا يمكن أن نكون جزءًا من ذلك.
ما هو تقييمكم لموقف المجتمع الدولي، خاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، تجاه الانتهاكات التي يعاني منها سكان قطاع غزة؟ وما قولكم في التحركات الدولية مؤخرا من أجل وقف الحصار؟
نشهد اليوم تحركًا متزايدًا من جهات فاعلة مثل المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. ورغم أننا نعتبر هذه الخطوات إيجابية في ظاهرها، إلا أنها – للأسف – جاءت متأخرة جدًا. متأخرة بأكثر من 53 ألف روح أُزهِقت. لقد بدأ العالم فجأة يُدرك، عبر ما يُبث مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حقيقة ما يجري أمام أعينهم: حملة تطهير عرقي واضحة، مستمرة منذ شهور.
صحيح أن هذا الانتباه المتأخر لغزة هو تطوّر مرحّب به، ونُقدّر أن هناك مزيدًا من الأنظار تتجه نحوها في الأيام الأخيرة. ولكن لا بد أن يتجاوز هذا الاهتمام حدود الأقوال والتصريحات، ويتحوّل إلى خطوات ملموسة. لا يكفي إصدار بيانات إدانة وانتقادات خجولة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي وقواته، في ظل ما يحدث في غزة من دمار ممنهج وصمت قاتل.
من السابق لأوانه أن نُعلّق على جدوى هذه التحركات، فنحن ننتظر أن نرى ما إذا كانت ستُفضي فعلاً إلى إدخال مساعدات إنسانية إلى غزة، وما إذا كانت إسرائيل ستُدان بوضوح على وحشية هجماتها، وعلى أوامر الإخلاء القسرية التي تصدرها يوميًا تقريبًا، وعلى استهدافها الممنهج لقطاع الصحة والمستشفيات والبنية التحتية المدنية.
نأمل أن يُترجم هذا الحراك أخيرًا إلى ضغط حقيقي… لا أن يبقى حبرًا على ورق.