فريت بلا زيت
رغم توجهي نحو التغير التدريجي في الممارسات غير السوية لرجل عادي ومسلم وفي رمضان، فقد بقيت وفيا لكثير من الممارسات السابقة التي لم أتمكن من التخلص منها في ظرف وجيز. صحيح أن نومي قد قل، قياسا على ما كان عليه، لكن وتيرته لم تتغير، وقد غيرها فيما بعد الإذعان لأوقات الصلوات.
لا أخفي عليكم سرا إن قلت لكم إني في بداية الأمر، كنت أصلي للناس، وبالذات لجارنا الطيب الذي أكرمني وأعطاني ثقته في إفطار الصائمين المصلين في المسجد بتوزيع الحليب والتمر عليهم قبل الأذان. ثم صرت أصلي للناس الذين أكرموني وشكروني وأطروا عليَّ، حتى إني خجلت من نفسي وخشيت أن أخيب آمالهم. لكن، مع الوقت، صرت أشعر بأني أصلي وكفى.. لا للناس وإنما كواجب ديني في مجتمع مسلم. ضبط ساعتي على كل صلاة وتقطيع أوصال النوم في رمضان، قد قلل من مسار نومي الذي كان في السابق غير منقطع (النظير). بالمقابل، صرت أنام مبكرا لكي أتمكن من الاستيقاظ للسحور ثم لصلاة الفجر. هذا البرنامج قد أخل بواجبي النومي المستمر في رمضان.
زوجتي فيما يبدو صارت هي الخاسر الأكبر. فقد كانت من جهة، مرتاحة لنومي طيلة النهار وسهري طيلة الليل، لكنها في المقابل كانت جد مستاءة من كسلي وتركي شراء الحاجيات وإهمال شؤون البيت في رمضان، ما كان يجعلها هي الوحيدة التي تتلقى كل الانتقادات، حتى إننا سميناها “مرسي”، رغم أنها لم تكن تعمل سوى على تسيير أزمة مفتعلة منا جميعا: كلنا كنا “نغير فيها المنكر” (بالمناسبة: لماذا نقول لبعضنا البعض عندما نفعل شيئا غير سوي: علاش راك تغير في المنكر علاش؟ وكأننا نريد للمنكر أن يبقى! علمانيون نحن أم يساريون؟).
الخلل الذي حدث لي مؤخرا في رزنامة النوم، قد سمح لي بأن أعوِّض الوقت الذي يطير لي فيه النوم، خاصة ما بين العصر والمغرب، بالكلام والثرثرة غير المتناهية مع “التكعرير”. كنت أبقى عند رأس زوجتي أثرثر كأي محرك ديزل: كان صار كان صار.. وشاقلالة.. والتنقريش والتكعرير إلى أن أقلب لها رأسها رأسا على عقب: مرة، وضعتْ الملح في القهوة.. ومرة أخرى.. شربتْ الماء قبل 5 دقائق من المغرب سهوا لأني نشفت لها ريقها على حد تعبيرها.
كنت “أهدر” وكانت هي “هدارة” أكثر مني. أنا أستاذ مهادر وهي شيخة مهدارة. مرة أخرى، وضعت حذاءها في الحريرة بعد أن كانت تحمل فردة لقتل صرصور، وباليد الأخرى القصبر لترميها في الحريرة.. رمت الحذاء في القدر وضربت الصرصور بالقصبر.. (لم نأكل حريرة ذلك اليوم.. أي لم نأكل شيئا.. واكتفينا بلحس طباسة الأمس وأكل شظايا خبز يومين مع حليب حامض شاط على القطة. صارت الفترة الفاصلة بين العصر والمغرب لزوجتي أعصب الأوقات واللحظات: فيها تحدث الحوادث وتنزل النوازل: بالأمس فقط، وقبل الإفطار، وكنت قد دخلت في موجة احتجاج شديد اللهجة على فراغ ميدان التحرير (مائدة الإفطار)، لأنها خرجت للحمام ولم تعد إلا قبيل المغرب بساعة، كلفني ذلك، وكلفها موجة تنقريش عارم انتهى بأن أفطرنا عند العشاء: وماذا؟ فريت بلا زيت. فريت Vernis . بملعقة زيت.. أكلنا الفريت!!