فصول ساخنة من ربيع سرح فيه بكل العرب
الربيع العربي الذي لم يكن كله إما خيرا صرفا أو شرا محضا توقف بنا عند أربعة فصول بمشاهد عرت حالة الانحدار والتفسخ في عالم عربي أوصله الاستبداد الأعمى إلى مستوى الطين، حيث ينشأ الحمأ المسنون، ويسهل على الخواجة “الفخارجي” معالجة طينته كيفما يشاء.
الآن وقد بدأت شمس الربيع العربي تغيب على غير سنن الكون بأرياف ومدن الشام، بعد أن أشرقت على غير العادة من المغرب العربي، يكون قد حان الوقت لجمع محصلة أولية قد تساعد على فهم ما حدث، واستشراف ما سيأتي، بعيدا عن مواقع المعارضة والموالاة للحراك الشعبي العربي، وما يرافقها حتما من تحكيم الأهواء.
تحرير حصيلة بهذه المواصفات لا يحتاج إلى تحكيم الرأي، بقدر ما يحتاج إلى معاينة الأحداث كما رأيناها، أو نقلت إلينا من أكثر من مصدر، في جملة من المشاهد المحورية، التي تشكل في الجملة الشريط الكامل لمسرحية من أربعة فصول تروي قصة الربيع العربي، وقد مضى عليه أكثر من حول . وقبل هذا وذاك نحتاج إلى التوافق على جملة من المسلمات التي لا يختلف حولها العقلاء.
الأولى: أن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكثير من مناحي الحياة في العالم العربي كانت قد بلغت من السوء والتردي مستوى طبقة الطين، التي تنشأ عندها المستنقعات وأخلاط من الحمأ المسنون، فلا عجب أن يشهد الربيع العربي ذلك الانفجار الشعبي المنفلت العقال، ولا سبيل إلى نكران مسؤولية النظم العربية في ما آلت إليه بعض المسارات من استقواء بالأجنبي، وتخريب البلد وإهدار مقدراتها، كما لا سبيل إلى إنكار حصول حالة فاضحة من الركوب الغربي للحراك وتسييره في الوجهة التي أرادتها.
“إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي كانت قد بلغت من السوء والتردي مستوى طبقة الطين، التي تنشأ عندها المستنقعات وأخلاط من الحمأ المسنون”
الثانية: أن التغيير بالقوة الذي جرب من قبل في الجزائر، وبالثمن الذي يعرفه الجميع، قد ثبت أن نجاحه، حتى مع توفر مشروعيته، يحتاج إلى توفر شرطين: استمالة القوة الصلبة الممثلة أساسا في الجيوش الوطنية، وإشراكها بشكل من الأشكال في التغيير مع حفظ مصالحها، والاستفادة المسبقة من دعم واسع من القوى العظمى من الغرب أو من الشرق بالثمن الذي لا يخفى على أحد.
الثالثة: أن الدخول في مسارات تغيير معقدة وغير مؤمنة، في دول اجتهدت فيها الأنظمة في تسطيح مشاهدها السياسية والفكرية والإعلامية، وأفسدت شرائح واسعة من النخب بالمال والمناصب، وعطلت عندها روح النقد والإبداع، أن الدخول فيها كان يشترط تحقيق قدر من الإجماع بين القوى المساندة للتغيير، والبحث عن حلفاء حتى من داخل السلطة.
.
أربعة فصول من ربيع سرح فيه بكل العرب
قد يكون من الصعب على نخب الدول التي طالها الربيع أن تنظر إلى الصورة الكاملة، كما تتجلى لنا ولغيرنا، في جملة من المشاهد التي تابعنا جميعا أحداثها، والتي انتقيت منها بعضها ليساعد على قراءة الصورة الكاملة ثم استخلاص من ينبغي استخلاصه من تقييم لمجمل هذا الزلزال العظيم الذي لم يغير فقط بعض النظم بل وضع المنطقة العربية على مشارف المجهول.
وحتى تسهل الرؤية سوف نرتب المشاهد في أربعة فصول مركبة من مشاهد، هي وجوه لعملة واحدة: فصل تركيع الدول المستبطن في مسار إسقاط النظم، وفصل الاختطاف المنهجي لإدارة الشعوب وولاء نخبها، وفصل التفكيك المنهجي للنظام العربي الرسمي واختطاف دول الخليج للقرار العربي، وفصل الحرب الباردة بين الدول العظمى، التي اتخذت من جغرافية العرب ساحة لحروبها الساخنة المحدودة.
.
إسقاط النظم قبل تفكيك الدول
وهو فصل من مشهدين يلتقيان عند غاية واحدة: إسقاط نظم نافقة لم تعد صالحة للخدمة بنظم مستضعفة يسهل ابتزازها.
المشهد الأول: لا مراء أن الربيع العربي قد وضع تونس واليمن وليبيا ومصر وسورية على حافة الهاوية، حتى مع التجاوز والاعتراف بأن الأوضاع قبل الثورة لم تكن أفضل. فالحكومات المتعاقبة في تونس ومصر، تواجه فضلا عن المعارك الطاحنة حول اقتسام السلطة، مشكلات تمويل لا حلول لها في الآجال المنظورة، مع تعاظم سقف التوقعات الشعبية التي تطالبها أحيانا بالمستحيل، وهي تتعرض لما يشبه حقا مؤامرة دولية غربية وخليجية على أكثر من مستوى.
المشهد الثاني: يتجلى في التآمر الغربي الخليجي لمنع النخب الجديدة من قيادة راشدة لمرحلة انتقالية آمنة تعيد الاستقرار للدول، وتسمح ببناء مؤسسات ذات مصداقية، قادرة على تلبية الحد الأدنى من الخدمات. بل إن التآمر بلغ حد فرض حصار مالي على دول مثل مصر وتونس، وسحب جزء من الاستثمارات الخليجية والغربية، وتشجيع الانفلات الأمني الذي يحول دون عودة السياح، وفي الحالة الليبية، تعمل الأيادي الخفية على إذكاء النعرات القبلية، وتلبيسها بمطالب فدرالية، هي مقدمة للتقسيم القادم، والعودة بليبيا إلى العهد الملكي وأقاليمه الثلاثة.
.
اختطاف موصوف لإدارة الشعوب
فصل من أربعة مشاهد اختطاف لإدارة الشعوب، يعود الفضل للربيع العربي في تعريتها أمام النخب مستقبلا حتى لا يلدغ المؤمن من جحرين مرتين.
المشهد الأول: أن الربيع العربي عرى هشاشة الانتماء الوطني في مجتمعات عربية، لم تنجح النخب الوطنية والقومية، وعلى مدار ستة عقود من الحكم، لم تنجح في غرس واستنبات سلوك مواطنة سليمة، كان يفترض أن تمنع الانسياق الأعمى خلف دعوات التقسيم والتشرذم تحت مسميات وانتماءات طائفية، مذهبية، أو عرقية، تشتغل عليها القوى الغربية التي ركبت الحراك.
المشهد الثاني: هو مشهد مخيف لحالة قد توصف دون مبالغة، كاختطاف موصوف لإدارة الشعوب من أيدي الدول، عبر شبكة معقدة، تتفاعل فيها وسائل التواصل التقليدية، مثل التلفزيون، مع التأثير المتزايد لما يسمى بالشبكات الاجتماعية، ومع توغل غربي عبر تنظيمات المجتمع المدني، ومنها تحديدا تلك التي ترفع شعار حقوق الإنسان والدفاع عن المرأة.
المشهد الثالث: مشهد نخبة عربية في الداخل والمهجر، قادها الإقصاء والحرمان إلى حالة من اليأس من فرص التغيير خارج سبل التغيير بالعنف، فانساقت دون روية خلف دعوات الاستقواء بقوى أجنبية، فيما كشف حراك الربيع العربي عن التوظيف الغربي المنهجي للنخبة العربية المهاجرة بجميع أطيافها، والاستثمار فيها بكل ما يملك من وسائل الإغراء، لينتج منها نخبا يعاد تصديرها للعالم العربي حين تتوفر الفرص، كما حصل في الدول التي شهدت الربيع العربي.
المشهد الرابع: مشهد الاختراق الحاصل في النخب الدينية، وقد وظفت من أكثر من وجه: من جهة التحريض الديني على الثورة، وصل حد التحريض على حمل السلاح، وإعلان الجهاد المقدس ضد الأنظمة، والترغيب في قتل زعماء الدول، وصياغة الغطاء الديني لشرعنة وإباحة الاستعانة بغير المسلم على المسلم، بدعوى التصدي للاستبداد.
.
قرصنة حكام الخليج لقرار العرب
فصل يروي في مشهدين قصة اختطاف حكام الخليج للقرار العربي وتجييره لخدمة مصلحة ولي الأمر الأمريكي:
“الربيع العربي عرى هشاشة الانتماء الوطني في مجتمعات عربية، لم تنجح النخب الوطنية والقومية، وعلى مدار ستة عقود من الحكم، في غرس واستنبات سلوك مواطنة سليمة”
المشهد الأول: لا شك اليوم عند الكثير، أن الحراك الشعبي قد ركب مبكرا، وفي ساعاته الأولى، من قبل القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، مع توظيف دول الخليج في تنفيذ مهمة تخريب النظام العربي الرسمي، واختطاف القرار فيه، فيما تعرى هذا النظام العربي الرسمي، العاجز سواء على مستوى الجامعة العربية، أو الاتحاد المغاربي، أو المؤتمر الإسلامي، أو الاتحاد الإفريقي.
المشهد الثاني: أن دول الخليج قد استغلت حالة الضعف والأزمات الاقتصادية والاجتماعية لدول شمال إفريقيا والمشرق، فاستقوت بالراعي الأمريكي أو بتحريض منه، من أجل اختطاف القرار العربي، لتسلم أجزاء واسعة من جغرافية العالم العربي للعبث الغربي، وهي بذلك تكون قد نجحت فقط في فك الارتباط مع كيان اسمه العالم العربي، لتنشغل حصريا بحماية عروشها إلى حين.
.
حرب باردة بدماء العرب الساخنة
فصل رابع من مشهدين لحرب باردة بين القوى العظمى اتخذت من جغرافية العرب مسرحا لحروبها الساخنة المحدودة.
المشهد الأول: لا يشك أحد في أن أحداث الربيع قد كشفت كيف أن العالم العربي صار مسرحا لحرب مفتوحة بين القطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وقطب شرقي تعيد بناؤه روسيا والصين، حرب لن تتوقف حتى تذعن الولايات المتحدة، وتقبل بقيام عالم متعدد الأقطاب، ولمن كان يشكك في حقيقة هذه الحرب فإن الأزمة السورية قد أثبتت، أننا في هذه الأحداث، ومنذ الغزو الأمريكي للعراق، قد أصبحنا مجرد ساحة لحرب باردة بين القوى العظمى تتنفس بالساخن، وبدمائنا ومقدراتنا، حتى لا تصل إلى المواجهة المباشرة، أو تتفق على تقسيم جديد للمصالح والنفوذ والأدوار.
المشهد الثاني: أن الربيع العربي قد عرى التوجه الغربي نحو تنفيذ معالجة خاصة لدول شمال إفريقيا، كانت قد بدأت من السودان، بحكم أن دول شمال إفريقيا تشكل الكتلة البشرية العربية الأكبر، التي قد تتحول إلى حاضنة لأي مشروع قومي مستقبلي، يعيد بناء الفضاء العربي بعد التفكيك القائم على قدم وساق، أو قد تعوق بشكل من الأشكال مسار وضع اليد الأمريكية والإسرائيلية بالكامل على منطقة المشرق العربي.
.
شمس العرب قد تشرق من المغرب العربي
ثمة مشهد آخر من خارج الفصول الأربعة للربيع العربي، حتى وإن كان قد تأثر بها، يجسده نجاح السلطة والقوى السياسية في كل من المغرب والجزائر، في الدخول في مسار إصلاحي مدروس ومؤمن، سوف يكون له حظ نجاح أوفر مما حققته الثورات العنيفة في تونس ومصر واليمن وليبيا، ويمكن البناء عليه مستقبلا، حتى وإن بدا للوهلة الأولى كمسار إصلاحي محدود.
“المنتظر من الجزائر والمغرب إعادة الاستقرار لمنطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا، قبل التفكير مجددا في استعادة نصيب دول وشعوب شمال إفريقيا من القرار العربي المختطف”
فالبلدان استطاعت الإفلات من عين الإعصار، وربحت بعض الوقت، يفترض أن يستثمر لتأمين أمن البلدين وتعزيز الاستقرار، والحفاظ على المقدرات الوطنية، ثم المساهمة في إعادة الاستقرار لمنطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا، قبل التفكير مجددا في استعادة نصيب دول وشعوب شمال إفريقيا من القرار العربي المختطف، والتصدي لمفردات مسار إعادة تشكيل العالم العربي.
وفي هذا السياق ينبغي تثمين النهج السياسي الذي اتبعته الدولة الجزائرية حيال مفردات الربيع العربي. وسواء تعلق الأمر بمسارعة الجزائر إلى تقديم مساعدة مالية للجارة تونس، التي يعنينا استعادة قادتها الجدد للاستقرار، أو العرض الذي أعلن عنه وزير الخارجية من طرابلس، حيال استعداد الجزائر للمساهمة في إعادة بناء الجيش الليبي، أو التحسين الحاصل في العلاقات الجزائرية المغربية، فإنها كلها خطوات محمودة، يفترض أن تكون جزءا من سياسة قائمة بذاتها لمواجهة تداعيات الربيع العربي على أمننا القومي، الذي يمتد من المحيط إلى البحر الأحمر، ولأجل ذلك يفترض ألا تغيب الجزائر عن المشهد المصري وهو يتعرض لمعالجة كيدية خطيرة.
فلا سبيل إلى إعادة الاستقرار في ليبيا الذي يعنينا في المقام الأول، كما يعني جميع دول الاتحاد المغاربي، دون المساهمة في إعادة الاستقرار والتوازن لمصر، ومساعدة القيادة الجديدة في مصر على تجاوز الضائقة المالية بتوظيف جانب من احتياطاتنا المالية، سواء في شكل قروض أو استثمارات مباشرة، نرتقب منها، ومن أي دعم يقدم للأشقاء في تونس وليبيا ومصر، عوائدها المباشرة على أمننا القومي، وثمارها على المدى البعيد، على مستوى استعادة الجزائر لدور قيادي في منطقة شمال إفريقيا: فضاؤنا الطبيعي الأول.