الرأي

فضائح سيناريوهات رئاسيات 2014

كشفت التسريبات المتعلقة برئاسيات 2014م عن “مؤامرات”وصراعات بين قطبين أساسيين أو ما يسمى بـ”المجموعة السلالية” و”المجموعة الجبهوية” فالأولى قادت “انقلابا” خارج رئاسة الجمهورية واختارت سلالا خليفة للرئيس والثانية تسعى إلى إقحام الرئيس بالترشح لعهدة رابعة وتعيين نائب له ممثلا في عبد الغني الهامل الذي يحظى بتقدير الرئيس والمؤسسة العسكرية، فما هي خطوط هذه المؤامرة وخبايا فضائحها؟

 عزل الرئيس والانفراد باتخاذ القرار؟

بدأت قصة البحث عن خليفة لبوتفليقة في سبتمبر 2012م عندما كان يجري تحاليل طبية في سويسرا فقد لجأت المجموعة المحيطة بالرئيس للإطاحة بالمنافسين التقليديين لخلافته وهما أحمد أويحيى وعبد العزيز بلخادم اللذان أبعدا من الحكومة بعد تعيين عبد المالك سلال رئيسا لها في 3 سبتمبر 2012 إذ تم نشر إشاعة في جريدة “ألين جوليس” الإلكترونية السويسرية يوم 9 سبتمبر تفيد أن الرئيس توفي لكنه عاد سالما لينفيها، فواجهت هذه المجموعة مشكلة لأن الرئيس رفض استقبال رئيس الحكومة الجديد مما وضعها في موقف مرتبك لغاية 13 افريل 2013 تاريخ إصابة الرئيس بجلطة دماغية ونقله إلى فرنسا ومنعت عنه الزيارات، وحين بدأ يتعافى سمح لعبد المالك سلال والجنرال أحمد قايد صالح بزيارته، لكن الصور التي بثت في القنوات الرسمية غير التي بثت عبر الأنترنت، وهكذا تحركت حكومة سلال ميدانيا وأصبح رئيسها يتحدث باسم الرئيس قائلا “أنه في اتصال يومي مع بوتفليقة” وأطلقت عليه صفة الرئيس بالوكالة، لكن المفاجأة كانت في عودة الرئيس دون علم الوزير الاول الذي استدعي وهو في مهمة تفقدية ببجاية مسقط رأسه، مما جعل الكثير يتساءلون كيف يمكن أن يكون في اتصال دائم معه وهو لا يعرف تاريخ عودته.

حين تحسنت وضعية الرئيس الصحية أوعز له بإجراء تعديل جوهري في الحكومة والمؤسسة الأمنية التي سربت معلومات عن خلافات تكون قد وقعت بين الرئيس وأحد إخوته نشرت في صحيفة بغرب الجزائر، وتم إبعاد الجناح الحكومي الذي كون “لوبيا” والوزراء المحسووبين على المصالح أو المرشحين المحتملين ورقي اللواء أحمد قايد صالح إلى نائب وزير الدفاع بصلاحيات عبد المالك قنايزية وعين بعد ذلك سلال على رأس لجنة الأمن القومي وأعطيت له بعض صلاحيات نائب وزير الدفاع، مما جعل سلال يحصل على تأشيرة خلافة بوتفليقة بعد أن حصل عليها في تمثيله في الخارج والحديث باسمه في الداخل.

وهنا بدأ الصراع بعد أن صار عمار سعداني أمينا عاما لجبهة التحرير وعبد القادر بن صالح أمينا عاما للتجمع الوطني الديمقراطي، وعندها كثرت الملاسنات بين مجموعة سلال ومجموعة جبهة التحرير التي تمسكت بترشيح بوتفليقة لعهدة رابعة وتعديل الدستور حتى يكون الجنرال عبد الغني هامل نائبا له دون أن تعلن ذلك، مما جعل مساندي عبد المالك سلال يتحركون للإطاحة بالأمين العام لجبهة التحرير الوطني.

القراءة البسيطة لصور الرئيس التي بثتها اليتيمة وأخواتها بدءا من نقله الى مستشفى فال دوغراس بباريس ثم عودته الى الجزائر تركز على الجوانب السلبية مثل حركة الرئيس ولباسه، حيث كانت لا تعكس صورة الرئيس الذي يتعافى بقدر ما تقدم صورته وهو يزداد تدهورا، وكأن المكلفين بذلك يريدون أن يغرسوا في ذهن المشاهد بأن الرئيس لم يعد قادرا على تسيير شؤون الدولة، في حين أن الصور والتصريحات التي بثت لوزيره الأول تعطي الانطباع بأنه الشخص المؤهل لخلافته، فجميع صور الرئيس تقدم عنه وكأنها صور تذكارية، فقد زار الوزير الأول 40 ولاية حتى الآن، وصرح في إحداها أنه لم يسبق لغيره أن قام بما قام به هو، وانتهاء بما حدث بين الوزير الفرنسي الأول ووزير داخليته.

حاولت أطراف في السلطة وخارجها تضليل الرأي العام بوجود صراع بين الرئيس والمؤسسة العسكرية، والحقيقة هي أن الصراع موجود بين من يريدون سلال خليفة للرئيس ومن يريدون غيره، والرئيس بعيد عن هذا الصراع، فالجماعة التي انفردت به أوهمت الناس بأنه منح لرئيس حكومته صلاحيات توزيع المال العام واتخاذ القرارات الاستعجالية، ومن جهة أخرى حاولت بعض الأطراف إعادة الاعتبار لأحمد أويحيى عبر بوابة إفريقيا باقتراحه رئيسا للجنة مراقبة الانتخابات في موريتانيا.

استخدمت المجموعة الاولى حرب تسريبات لمعلومات تفيد أن بوتفليقة يدعم وزيره الأول ليكون خليفته، كما وفرت صورا للرئيس للتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي تثبت أن الرئيس عاجز عن الحركة والكلام، ولكن ما حدث خلال زيارة الوزير الأول الفرنسي للجزائر كان أعظم بدءا من برنامج “النشرة الصغيرة” لقناة (كتال +) الفرنسية الذي فضح التلاعب بصور الرئيس مرورا بتصريحات الرئيس الفرنسي، وهي باختصار ليست ما قدمته السلطات الجزائرية أو الفرنسية، فتصريح فرانسوا هولاند ليس هفوة أو مزحة سياسية، وليس كما وصفه “لوكنار أونشيني” بتسمم غذائي للوفد الفرنسي بمطعم “الدلفين” بميناء العاصمة وإنما هي رواية أخرى تم التستر عليها تقول أن: “مانويل فالس وزير الداخلية الفرنسي الذي صار نجم الحكومة الفرنسية والمنافس الشرس لوزيرها الأول استبعد من وفد حكومته الرسمي بسبب عداوته للإسلام والمهاجرين، وعندما اطلع الوزير الأول على خريطة التشريفات وجد اسمه فاغتاظ وكاد أن يطرده”، والسؤال لماذا التحق بالوفد ومن دعاه.

  أقام فرانسوا هولاند مأدبة العشاء السنوي للمجلس التمثيلي للهيئات اليهودية بفرنسا وأراد أن يبلغهم  بأن وزير داخليته سيسافر إلى الجزائر وكان بجانبه فهمس له أنه عاد منها فقال هولاند مازحا: “حمدا على عودتك سالما معافى من الجزائر” وكان يقصد موقف رئيس الحكومة الفرنسية منه والمنافسة الحادة بينهما، لكن أطرافا في الجزائر وفرنسا افتعلت خلافا حتى تدفع بالرئيس الفرنسي إلى الاتصال بالوزير الأول الجزائري لإعطاء الانطباع بأنه الرئيس الحقيقي للجزائر، غير أن هولاند اتصل بالرئيس بوتفليقة.

 

وما دام أنه من الصعب على هذه المجموعة ترشيح سلال بعد رفض سعداني تزكيته وتمسكه ببوتفليقة فإنها لجأت إلى دعم معارضي الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، بينما اتجهت قيادة الجبهة الى اقتراح الجنرال عبد الغاني هامل ليكون نائبا للرئيس، فأي سيناريو سينجح في غياب ديمقراطية حقيقية.  

مقالات ذات صلة