الرأي

فقهاء على دين فراعنتهم

حسين لقرع
  • 3143
  • 0

تؤكد الوقائع التاريخية أن من أكبر المصائب التي‮ ‬ابتلي‮ ‬بها المسلمون منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة إلى الآن،‮ ‬هو كثرة علماء البلاط الذين تخلوا عن رسالتهم القائمة على إظهار الحق للناس وعدم كتمانه،‮ ‬ومحاربة الظلم والجور دون خوف إلا من الله،‮ ‬وقول كلمة حق في‮ ‬وجه سلطان جائر،‮ ‬وراحوا بدل ذلك‮ ‬يتمسّحون على أعتاب السلاطين ويزينون لهم استبدادَهم برقاب الناس،‮ ‬ويبرّرون الملك العضوض،‮ ‬ويضلّلون المسلمين ويتفننون في‮ ‬تزيين الخنوع لهم‮. ‬

علماء البلاط كثروا في‮ ‬أيامنا هذه ووضعوا أنفسهم في‮ ‬خدمة أنظمةٍ‮ ‬استبدادية فاسدة حازت‮ “‬الريادة العالمية‮” ‬في‮ ‬إذلال شعوبها وحرمانها من حقوقها المشروعة في‮ ‬الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم‮.. ‬ومع ذلك تجد‮ “‬علماء‮” ‬و”فقهاء‮” ‬باعوا دينهم وضمائرهم‮ ‬يُصدرون لها فتاوى على المقاس وتحت الطلب،‮ ‬ويسوّغون ظلمها وبغيها،‮ ‬ويحثونها على المزيد من القمع والتنكيل‮.‬

والدكتور علي‮ ‬جمعة،‮ ‬مفتي‮ ‬مصر السابق،‮ ‬واحدٌ‮ ‬من هذا الصّنف من العلماء؛ فقد سخّر علمه وفقهه لخدمة مبارك الذي‮ ‬أذل المصريين طيلة‮ ‬30‭ ‬سنة ووالى العدوّ‮ ‬الصهيوني‮ ‬وشارك في‮ ‬جريمة حصار‮ ‬غزة والتآمر على مقاومتها الشريفة،‮ ‬وقد وقف جمعة بقوة ضد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011،‮ ‬ثم انكفأ على نفسه خائباً‮ ‬محسوراً‮ ‬بعد نجاحها،‮ ‬ولكن ما إن قام السيسي‮ ‬بانقلاب‮ ‬3‮ ‬جويلية‮ ‬2013،‮ ‬حتى عاد جمعة إلى عادته القديمة،‮ ‬وقام بدور تحريضي‮ ‬خطير ضد المتظاهرين المسالمين،‮ ‬ودعا الجيشَ‮ ‬والأمن إلى إطلاق الرصاص الحي‮ ‬عليهم دون رحمة،‮ ‬وقال قولته المشهورة في‮ ‬أكتوبر‮ ‬2013‮ “‬اضرب في‮ ‬المليان‮”.‬

بعدها سالت دماءٌ‮ ‬غزيرة،‮ ‬وقتل مئاتُ‮ ‬المتظاهرين الرافضين للانقلاب،‮ ‬وزُجّ‮ ‬بعشرات الآلاف منهم في‮ ‬السجون ظلما وعدوانا وصدرت أحكام إعدام جماعية ضد‮ ‬1661‮ ‬منهم إلى حدّ‮ ‬الساعة،‮ ‬آخرهم الرئيس الشرعي‮ ‬محمد مرسي،‮ ‬والقائمة لا تزال مفتوحة،‮ ‬وإلى الآن لا‮ ‬يزال النظام الانقلابي‮ ‬يمارس قمعا واضطهادا سافرين ضد المتظاهرين ما أثار منظماتٍ‮ ‬دولية عديدة‮.. ‬لكن المفارقة أن كل هذا القمع الدموي‮ ‬لم‮ ‬يُثر جمعة ليراجع نفسه قبل أن‮ ‬يلقى ربه وهو الذي‮ ‬يتحمل جزءاً‮ ‬من المسؤولية عن الدماء التي‮ ‬تراق ظلماً‮ ‬وبغياً؛ فهاهو‮ ‬يظهر في‮ ‬إحدى الفضائيات منذ أيام ويصرّح بأن المرحوم حسن البنا هو الذي‮ “‬يتحمّل المسؤولية عن كل الدماء التي‮ ‬سالت لأنه لم‮ ‬يقبل بحل جماعة الإخوان المسلمين؟‮” ‬وكأن جمعة‮ ‬يريد إخلاء الساحة تماماً‮ ‬للجبابرة وكذا العلمانيين المفسدين الداعين إلى خلع الحجاب وحرق كتب التراث والقيام بـ”ثورة دينية‮” ‬تؤدي‮ ‬إلى إنشاء‮ “‬فقه جديد‮” ‬متأمْرك متصهْين‮…‬

مثل هؤلاء‮ “‬الفقهاء‮” ‬رضوا بأن‮ ‬يركنوا إلى الذين ظلموا،‮ ‬ويكتموا الحق عن الناس ويضلّلوهم،‮ ‬ويزينوا الباطلَ‮ ‬للحكام المستبدين،‮ ‬ويبرروا جرائمهم بتحميل المسؤولية للضحايا،‮ ‬حتى‮ ‬يمكنهم قتل المزيد منهم دون إحساسٍ‮ ‬بالذنب‮. ‬

عجباً‮ ‬لعلماء وفقهاء أداروا ظهورهم للحق ولنهج العز بن عبد السلام وكل عالم حرّ‮ ‬شريف صدع بالحق دون أن‮ ‬يخشى في‮ ‬الله لومة لائم،‮ ‬واختاروا أن‮ ‬يكونوا أعواناً‮ ‬للجبابرة والظلمة على الباطل وهم في‮ ‬أرذل العمر‮.‬

مقالات ذات صلة