فقهُ الجهاد المفتَرى عليه
لم يتورّع الصهاينة المجرمون الأوغاد، عن استعمال كل وسيلة أو أداة، للقتل، والهدم، والإحراق، والإفساد؛ فهم يتفننون في القتل، والتنكيل، والهدم، فيهدمون على السكان الأبرياء بيوت الحجر، ويقتلعون من الطبيعة الخضراء الشجر، ويحرقون العزّل الأحياء من البشر، في تبلّد من الضمير الإنساني الظاهر منه والمستتر.
لم يقفوا عند هذا الحد من الهمجية والبربرية، بل راحوا يدسون أنوفهم النتنة في صفوف المسلمين، فيفسدون عليهم دينهم في المساجد، ويشوّشون فتواهم بتجنيد العالِم العميل الدعيّ الساجد.
هل أتاكم خبر الفتوى المضادة، والمضللة، والتي باركها العدو الصهيوني، ودعا إلى الإكثار منها لأنها تبرر عدوانه، وتعزز سلطانه، وتعلي شأنه، وتتستر عن احتلاله وسلطانه؟
ومن المبكيات، المحزنات، التي يذوب لها القلب كمدا، أن يخرج علينا، ومن صفوفنا أدعياء للعلم، خالون من الفهم، ومجلّلون بعمائم تبرير الظلم، فهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويشوّهون الفقه عن مقاصده، ويدلّسون، ويدنّسون الجهاد فيبعدونه عن مآربه ونبل مُحاربه.
وفي الوقت الذي صدع فيه العلماء الربانيون بالحق، فأصدروا الفتوى الدقيقة والعميقة نصرة للحقيقة، داعين الحكام والشعوب إلى نصرة الجهاد في غزة وفي كل مكان تُضطهد فيه الشعوب المقاوِمة.
وعندما نادى العلماء الربانيون ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾،[سورة الأحزاب، الآية: 39]، نادوا بتطبيق شرع الله على الكيان الصهيوني الغاصب بوجوب جهاده، هو وكل من يشترك معه في الأرض المحتلة، سواء في الإبادة، أو التدخل العسكري، أو الإمداد بكل أنواع الإمداد، وتقديم الخبرات العسكرية والمعلومات المخابراتية.
أكد العلماء الربانيون في لجنة الاجتهاد والفتوى، بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إلزامية الجهاد ضد العدو الصهيوني، لكل مسلم مستطيع.
كما طالبوا -شرعيّا- الحكومات في دولنا بالتدخل الفوري عسكريا، واقتصاديا، وسياسيا، لإيقاف الإبادة، ووضع حد للتدمير الشامل، بمقتضى الموضع الذي وضعهم الله فيه.
شدّدت الفتوى الإسلامية المتأصلة على أن كل من يوالي العدو المجرم الفاشي في هذا الظرف العصيب، أو يقيم أيّ نوع من علاقات التطبيع معه، يصنّف ذلك في خانة الموالاة للعدو، ويعدّ بذلك مرتدا عن الإسلام، وفق النص القرآني الصريح ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾،[سورة المائدة، الآية: 51].
وعدّد علماء الاتحاد العالمي، في فتواهم تدابير يجب على حكوماتنا وشعوبنا القيامُ بها، بعدم بيع السلاح للعدوّ، وتسهيل نقل معدّاته عبر الموانئ أو الممرات الدولية، كقناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز، وغير ذلك.
وهذا إضافة إلى تزويد العدوّ بالبترول والغاز، وكل السلع التي تساعده في حربه على شعبنا.
وشدّدت الفتوى الإسلامية المتأصلة على أن كل من يوالي العدو المجرم الفاشي في هذا الظرف العصيب، أو يقيم أيَّ نوع من علاقات التطبيع معه، يصنَّف ذلك في خانة الموالاة للعدو، ويعدّ بذلك مرتدا عن الإسلام، وفق النص القرآني الصريح ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾،[سورة المائدة، الآية: 51]، ونتيجة لهذا التحذير، يجب مراجعة كل المعاهدات التي أبرمت من بعض الدول الإسلامية مع العدو، لأن القرآن صريح أيضا في النهي عن ذلك في قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾،[سورة المائدة، الآية: 81].
في ضوء هذا الموقف الشرعي الصريح، يخرج علينا علماء عملاء، أو جهلاء، أو أدعياء علم وفهم، ليطعنوا في فقه الجهاد، ويفترون عليه بالكذب.
قال قائلٌ منهم، أنه لا يجوز مقاتلة اليهود لأنهم تربطنا بهم معاهدة، وتنطبق عليهم الآية: ﴿إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾،[سورة الأنفال، الآية: 72].
وقالت طائفة أخرى من علماء السلطة إن فتوى الجهاد، والدماء، لا يمكن أن تصدر إلا عن سلطة شرعية، وكل من لا يملك تلك السلطة لا يحقّ له أن يخوض في فقه الجهاد.
وإن تعجب فاعجب لهذه الأقاويل، وقد كبُرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا.
العلماء الربانيون حقا، كانوا ولا يزالون وسيبقون، أهل الحل والعقد يُستنجد بهم في التواجد، ويُستفتون في النزاعات الدامية، والحروب المأساوية، وقد جاء القرآن مصدقا للعلماء الربانيين، ومساندا لفتواهم في أكثر من آية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾،[سورة البقرة، الآية: 191]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾،[سورة الممتحنة، الآية: 9].
اللهم إننا نبرأ إليك من هؤلاء الذين ضلوا وأضلوا، فباعوا أقلامهم للشيطان، وتحالفوا مع العدوان، وتنكّروا لصريح القول من القرآن.
وأعظم دليل، ثناء العدو الصهيوني على موقفهم، وإشادته بـ”فتواهم”، وتقديمهم للرأي العامّ على أنهم “ذوو اعتدال، وتسامح، وانفتاح على المخالف”، وبالمقابل، فهم يعلنون عدوانهم للعلماء الربانيين، ويتهمونهم بـ”التعصب”، و”معاداة السامية”… ورحم الله أبا الطيب المتنبي في قوله:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
والحقيقة أن البقاء للأصلح ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾،[سورة الشعراء، الآية: 227].
إن الملحمة الدائرة اليوم في غزة، وفي الضفة، والقدس، ولبنان، واليمن، وسوريا، هي الامتحان الفيصل، ليميز الله به الوطني من الخائن، والخبيث من الطيب، ويوم النصر، وما هو ببعيد، يومها تبيضّ وجوه، وتسودّ وجوه.
ومن لم يعانقه شوقُ الحياة تبخّر في جوّها واندثر
ولو لم تكن حربُ غزة موجودة لأوجدناها لأنها أسقطت الأقنعة والبراقع عن وجوه ظلت تعاني الازدواجية، وتميل حيث تميل رياح السلطة والنفوذ والمال.
ويبقى الحكم الفيصل في كل هذا، هو الشعب الفلسطيني المؤمن، الصابر، الثابت، الصامد، أمام كل أنواع العدوان، ومن حوله جماهير أمته، لمدِّه بالمال والزاد، والنصرة، وذلك ما يخفّف عنه آلامه، ويضاعف من آماله. والعاقبة للمتقين من العلماء العاملين.