فلتنتصر تونس
لا يهم من سيكون الفائز في الانتخابات الرئاسية، المهم أن تنجح العملية الانتخابية بشفافية وأن تتوج بنتائج أقرب إلى الحقيقة.. هذا صحيح تماما، وصحيح كذلك ان على الجميع ان يهنئ تونس عند صدور النتائج ويبارك لها قدرتها على التعامل مع المأزق براحة بال وضبط اعصاب وصبر جميل.
ولكن حتى لا يمر الحدث الكبير دونما تدبر نسرع إلى القول بأن هذه التجربة الوحيدة التي نجت من وعثاء الربيع العربي وتحررت من كآبة ما حصل في بقية بلدان الربيع العربي حتى الآن على الأقل، ولذا فالتعامل معها حساس وله خصوصية مميزة.. وحيث تمت الثورة على نظام بن علي، الا انه لم يكن واضحا بالضبط على ماذا تم الانقلاب، هل على ممارسات بن علي والمجموعة المتنفذة معه، أم على نظام حكم وفلسفة حكم وتوجهات حكم؟ هل الانقلاب تم على نظام حكم له برامجه الاقتصادية وتوجهاته الايديولوجية، أم كان الانقلاب فقط على بن علي وأسرته؟
لم يتضح في الثورة التونسية انها بديل بنيوي على الصعيد الفكري او الإداري لنظام بن علي، بل لعل الثوار تماهو في الواقع السابق عندما برأوا اركان النظام السابق وأمنوهم من اي محاسبة، حتى مجرد العزل السياسي أبعدوه عنهم وتركوهم للشعب يحكم في امرهم من خلال صناديق الانتخابات.. ولم يأت ثوار تونس بأي تغيير جوهري على صعيد الهوية والمشروع المجتمعي ومشروع الدولة، بل وحتى على صعيد السياسات الخارجية والدولية..
ما شهدته الانتخابات البرلمانية مؤخرا يفيد بأن لا تغيير حقيقي في تركيبة الطبقة السياسية التونسية وحتى رأس المعارضة الممثلة بحركة النهضة ذات الأصول الاسلامية لم تقف حجر عثرة امام حركة النظام السابق بأركانه واشخاصه وتوجهاته.
المهم هنا التأكيد على ان ما حصل في تونس يعبر بجلاء ان ثورة الشعب التونسي العظيم تقدمت على كل الأحزاب السياسية وبرامج المعارضة، وانها عندما ثارت ضد بن علي كانت تثور ضد نظام بأشخاصه ومعاييره وبرامجه.. ولكن هذه الثورة العظيمة التي كانت ملهمة لكثير من شعوب الأرض تتراجع كثيرا لتتقدم الأحزاب في تنافساتها ومماحكاتها وآخر ما يمكن الحديث عنه هو ثورة تونس وشعبها الذي يصرب الفقر والتخلف اطنابه فيه.
رغم كل ما يمكن قوله عما هو في تونس من حراك، الا انه لابد من التركيز على اهمية الاستقرار والأمن في هذا البلد بعد سنوات عدة من الحراك المرهق والكلام الكثير والتجاذبات التي كادت ان تفتك بالبلد.
كلمة أخيرة للتونسيين وهم يستقبلون رئيسا جديدا لهم، انتبهوا، من غير المسموح ان يسري في أوصالكم من جديد روح الاستبداد والإقصاء والتهميش السياسي والثقافي والايديولوجي.. فتونس تتسع للجميع، ومثلما قدمتم نموذجا رائعا بشعبكم في ثورته، فسيكون رائعا ان تفرضوا حالة التعايش فيما بينكم كحد أدنى لأهداف كفاحكم ونحن نعرف صعوبة ان تنتقلوا إلى اكثر من ذلك، فلا تفرطوا بما هو الأقل.. تولانا الله برحمته.