فلسطين ومصر من جديد
عندما تتخذ مصر قرارها بإضاءة ليل غزة بكهرباء تولدت بفعل حراك مياه النيل الخالدة بعد ان انتصر حراك الشعب المصري تكون مصر في حقيقة الأمر اضاءت الطريق امام المصريين نحو مستقبل كريم وعزيز واضاءت مصر بما يكفي لتكون هادية لركب العرب نحو مستقبلهم العزيز.. فلسطين الصغيرة بحجمها هي التي تجر المنطقة الى الحروب وهي التي تتوجها بالانتصارات.. وعندما تتناوشها خطط الأعداء بالغزو والاستيطان والاجتياح كما فعل الصليبيون والتتار والصهاينة اصبح على الأمة واجب تأدية فرض العين وإلا فإن التتار والصليبيين والصهاينة سيبتلعون المنطقة.. وكان الحس التاريخي ينهض دوما بروح المنطقة للتصدي للعدوان تلو العدوان.
ولفلسطين ومصر في هذا الشأن تاريخ لا ينفصل ابدا.. ففلسطين ليست فقط رابط بين مصر وبلاد الشام، وهذا في حد ذاته بعدا جيوسياسيا بالغ الأهمية، إلا انها ايضا مثار القداسة الكبرى عند المصريين المسلمين والنصارى سواء..
لم تخسر فلسطين فقط بخروج مصر من الصراع العربي الاسرائيلي، بل كانت الأمة كلها في خسارة كبيرة وعلى رأس الأمة مصر التي فقدت بخروجها من المسرح باعثها نحو النهضة والتحرر في المجالات الاقتصادية والسياسية.. ولم يكن من نتيجة لخروجها من مسرح الصراع ضد الصهاينة إلا تحميلها بديون باهظة وارتهانها لسياسات جعلت منها عرابا للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.. ناءت مصر تحت أثقال العزلة عن الهم العربي، ووجدت كم هو الخراب مستشر في الأمة كلها، وكم هو الاختلال في التركيب السياسي والأمن القومي العربي حاصل عندما لا تكون مصر في مكان مصر.. عندما غابت مصر اجتاحت اسرائيل لبنان وأخرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان وارتكبت المجازر بحق الفلسطينيين واحتل الامريكان العراق وضاع جنوب السودان وضاعت ليبيا واصبحت امارة صغيرة كقطر امبراطورية تتحكم في مصائر شعوب المنطقة ودولها.
الآن تتحرك الشاحنات المصرية بالوقود لمحطة الكهرباء في غزة تنفيذا لخطة من عدة مراحل تنتهي خلال اسابيع.. وبمقتضاها لا ليل مظلم في غزة، وتتدفق الحياة في المعامل والمصانع الصغيرة والمنشآت الانتاجية المتواضعة.. سيشعر البسطاء لأول مرة بأن شتاءهم ليس قارسا، وأن حرّهم ليس قائظا.. لأول مرة سيستطيع المرضى بالفشل الكلوي وامراض التنفس أخذ علاجهم بلا خوف من انقطاع الكهرباء.
هل كان معقولا بأي حساب ان تعيش مدن قطاع غزة ومخيماته طيلة هذه السنوات في حصار يسهم فيه النظام العربي.. على كل حال، لا مجال للعتاب واللوم، فالمهم ان مصر عدلت من البوصلة، واصبح الوجع الفلسطيني حاضرا لدى صانع القرار، وهنا نبدأ العد التصاعدي الحقيقي لنهوض مصر وتناولها لدورها االتاريخي وقيادتها لركب التحرر والسيادة في بلاد العرب.
ان الكهرباء التي أضاءت غزة، اضاءت في قلوب العرب والمسلمين مساحات واسعة في حب مصر واحتضان روح مصر الجديدة، وهنا في هذا المناخ تصاغ الأفكار الحقيقية الحية لنهضة العرب والمسلمين.